الجزائر
مالكوها والسماسرة يجنون منها ثروات طائلة

جزائريون يستنزفون مئات الملايين في استئجار البيوت

الشروق أونلاين
  • 16260
  • 42
ح.م
أزمة سكن خانقة

جزائريون وقعوا في فخ الإيجار فوجدوا أنفسهم بعد سنوات طويلة مستنزفين أموالا ضخمة في كراء شقق بدأت قيمتها بـ5000 دج شهريا وارتفعت مع مرور الوقت لتصل إلى 35 ألف دينار وحتى 40 ألف دينار، مع إلزام دفع الإيجار مسبقا لمدة سنة، مما جعل المستأجرين في مأزق كبير، وصل بالبعض إلى الطلاق والبعض الآخر إلى التشرد والأحسن حالاً عاد إلى العيش مع أهله وسط مشاكل وضغوط لا تنتهي. ومع بعث مشاريع “عدل” سارع “ضحايا الإيجار” إلى تسجيل أنفسهم لتحقيق حلم امتلاك شقة؛ الحلم الذي ليس من السهل تحقيقه في الجزائر التي تعرف فيها أسعار العقار ارتفاعا غير مسبوق.

 تنفس ضحايا الإيجار الصعداء بعد عودة مشاريع “عدل” التي تبقى السبيل الناجع لحصول مئات الآلاف من الموظفين في مختلف القطاعات على شقة في الجزائر، فبعد رحلة طويلة لسنوات الجحيم مع الكراء الذي كبَّد أصحابه أموالا كبيرة فاقت عند البعض ربع مليار سنتيم، وهو مبلغ يكفي لشراء شقة في العديد من البلدان بما فيها الأوروبية. أما في الجزائر فالمواطن البسيط ممنوع حتى من التفكير في شراء شقة ترادف قيمتها في المدن الكبرى الملايير، فحتى مبلغ مليار سنتيم لا يتيح لصاحبه شراء شقة محترمة في المدن الكبرى، علماً أن هذا المبلغ الكبير يستغرق من العامل البسيط أكثر من 40 سنة من أجل تأمينه وهو ما يجعله يشتري سكناً عند بلوغ الستين من العمر، وللشباب الذين يريدون اختصار المسافة يقررون خوض تجربة الإيجار من أجل استدراك قطار الزواج ومن ثم التفكير في شراء سكن، والذي يتحوَّل مع مرور الوقت إلى حلم صعب المنال.

  

 

ضحايا الإيجار عرضة للتشرد والطلاق

 وفي حديثنا مع بعض المواطنين الذين ذاقوا مرارة “ذل” الإيجار وشعارهم في ذلك المثل الشعبي الشهير “ما يحس بالجمرة غير اللي كواتو” أكد السيد عثمان خالدي، 42 سنة، من بلدية بئر خادم أنه تزوج في سن الـ 27 وقرر استئجار الطابق الأرضي لفيلا تقع في حي “الصفصافة” بعين النعجة وهي منطقة ليست بعيدة من مسكن عائلته، وقدر ثمن الإيجار حينها؛ أي في عام 1988، بـ600 دج لشقة تتكون من ثلاث غرف وحديقة صغيرة، ومع مرور الوقت ارتفع المبلغ إلى 15000 دينار سنة 1998 ثم إلى 20 ألف دينار سنة 2005 وقرر صاحب المسكن رفع الثمن إلى 35 ألف دينار العام الماضي، ما جعل محدثنا يدخل في مأزق كبير لعدم قدرته على تأمين المبلغ، خاصة وأن الله رزقه بأربعة أولاد ويزاول مهنة التجارة الحرة التي لا ترتكز على دخل قار، ما جعله يفكر في تغيير الشقة غير أنه تفاجأ بالأسعار المرتفعة للإيجار التي لا تقل في العاصمة عن 25 ألف دينار للشهر مع إلزام دفع قيمة سنة مسبقا، ما جعل السيد عثمان خالدي يقرر الإقامة مع عائلته لفترة مؤقتة وهو الذي استنزف في الإيجار أزيد من 160 مليون سنتيم.

 معاناة أخرى بطلها أستاذ لمادة الرياضة البدنية يقطن في حي شعبي ببلدية باش جراح اضطر لاستئجار شقة في بناء قديم منذ 20 سنة عندما قرر الزواج، ولكن صاحب المسكن أمره بالخروج وطرده منذ سنتين فوجد محدّثنا نفسه مرميا في الشارع رفقة أبنائه الثلاثة وزوجته التي اضطرت للعودة إلى منزل أهلها، ولم تجد غير “الشروق” لتشكو محنتها مع زوجها الذي قرر الإقامة في شقة مهجورة في المدرسة التي يعمل فيها  فقررت وزارة التربية طرده بتسخير القوة العمومية وما كان عليه إلا الامتثال للأمر الواقع وهو طرق أبواب المسؤولين من أجل تمكينه من لم شمل أسرته في سكن اجتماعي، خاصة وأنه قدم طلبا رسميا منذ 12 سنة وهو اليوم ينتظر رفقة الآلاف من ضحايا الإيجار الذين استنزفوا أموالا كبيرة ثم وجدوا أنفسهم في الشارع بسبب الارتفاع المتزايد للإيجار الذي تحوّل إلى هاجس ومعاناة تسببت لأصحابها في الإصابة بأمراض مزمنة على غرار ما حدث للسيد تهامي أحمد، 50 سنة، الذي أصيب بمرض السكري بعد معاناة طويلة من جحيم الكراء دامت 30 سنة قضاها متنقلا من شقة إلى أخرى ليجد نفسه بعد سنوات طويلة قد استنزف أزيد من 240 مليون سنتيم، وفي الأخير وجد نفسه في مواجهة التشرد بعد إصابته بحادث عمل أقعده على الفراش ومنعه من توفير مستحقات الإيجار، ما جعله يدخل المستشفى بعد إصابته بصدمة تسببت في إصابته بالسكري، خاصة وأن المتحدث كان يعمل في مؤسسة أجنبية كان يتقاضى فيها 60 ألف دج شهريا، ولكنه بعد الحادث طالت إجراءات التعويض وهو ما حرمه من تأمين مبلغ الإيجار.

 قصة أخرى لصحفي استنزف 250 مليون خلال 18 سنة من الإيجار الذي تحول له إلى كابوس حقيقي في ظل عدم استفادته من سكن اجتماعي أو تساهمي بالرغم من عشرات الطلبات واللقاءات مع المسؤولين  .

  واليوم ينتظر هذا الصحفي استدعاءه من طرف وكالة “عدل” من أجل تقديم ملفه على أمل الحصول على سكن في أقرب وقت لعدم استنزاف المزيد من الأموال في الإيجار الذي تحوّل إلى جحيم يعاني منه عدد كبير من المواطنين، في حين استنزف صحفي آخر مبلغ 255 مليون سنتيم في سنوات من الكراء قبل أن يحصل على سكن ترقوي منذ أسابيع قليلة والحمد لله.

  ولدى حديثنا مع بعض الشباب المقبلين على الزواج، أكدوا أن أسعار الإيجار الحالية ليست في متناول الجميع، خاصة بالنسبة إلى المقبلين على الزواج. وقال “حكيم”، 23 سنة، إنه أجّل زواجه الذي كان مبرمجا خلال الصائفة الفارطة بسبب غلاء أسعار الإيجار وأشار إلى أنه يتقاضى أجرا لا يتعدى 28 ألف دينار فكيف له أن يستأجر بيتا بسعر 25 ألف دينار؟ في حين أشار آخر إلى أنه يفضل العيش بمفرده مع زوجته لذلك يفكر في اللجوء إلى الكراء لكن بما أن الأسعار ملتهبة وجنونية ليس لديه خيار سوى العيش في بيت العائلة رغم ضيق مساحة البيت وعدم الاستقرار المطلق. ومن الشباب من تزوج ولجأ مرغما إلى الكراء، وبعد سنوات وجد نفسه في المحاكم بعدما رفعت زوجته ضده دعوى تطليق بسبب عدم قدرة زوجها على تسديد مستحقات الكراء وهو ما أثر في استقرار العائلة التي تشتَّتت.

 

  

 حرب بين السماسرة والوكالات العقارية

 يعتبر الاستثمار في مجال العقار من أنجح أنواع الاستثمار في الجزائر والذي يعود على أصحابه بالملايير بسبب إقدام السماسرة على رفع أسعار العقار التي بلغت مستويات قياسية وغير عقلية، وهذا ما ساهم أيضا في التهاب أسعار الإيجار في أغلب مناطق العاصمة والمدن الكبرى، وللهروب من تكاليف الوكالات العقارية التي تتحصل على مبلغ الشهر الـ13، بالنسبة إلى الزبون، يفضل المواطنون اللجوء إلى السمسار الذي يأخذ نصف المبلغ وهو سريع في عقد الصفقات، وهذا ما ساهم في حدوث حرب باردة بين السماسرة الذين يوجهون المواطن إلى السكنات الرخيصة والوكالات العقارية التي عادة ما تعتمد على الأحياء الراقية لتحقيق أرباح عالية.

 وأثناء جولة قادتنا إلى بعض الوكالات العقارية بالعاصمة، سألنا عن سعر بعض الشقق للإيجار فأجاب صاحبها أنه توجد شقة ببلدية باش جراح متكونة من 3 غرف بسعر 28000 دينار وببلدية عين النعجة شقة متكونة من غرفتين بـ 25 ألف سنتيم أما المدَنية فشقة متكونة من غرفتين بـ30 ألف دينار وشقة متكونة من ثلاثة غرف ب35000 ألف دينار، وبالحراش غرفة من ثلاثة غرف 29 ألف دينار جزائري. ولدى سؤالنا عن الشقق في المناطق التي تتمتع بالتهيئة الحضرية مثل المرادية والأبيار وسيدي يحيى أكدوا أنها تتجاوز 4 ملايين سنتيم وقد أرجعوا سبب غلاء أسعار إيجار الشقق والسكنات حسبه إلى كثرة الطلب عليها بالعاصمة خاصة من أجل الدراسة والعمل.

 كما أن موقع الشقة يلعب دورا كبيرا في تحديد سعرها مثل منزل بالمرادية يصل إلى حدود 4 ملايين سنتيم وذلك لموقعه الاستراتيجي بالقرب من السفارات وتوفر كل المرافق الضرورة بما في ذلك الأماكن والاستقرار وهو ما دفع أصحابها إلى مضاعفة السعر دون حسيب أو رقيب، كما حمَّل أصحاب الوكالات رفع أسعار الإيجار إلى أصحاب السكنات، حيث يقتصر دور الوكالات على الربط  بين الزبون وصاحب السكن ولا دخل لهم في تحديد الأسعار.

 

التهاب أسعار إيجار الغرف يُرهق العاملات في العاصمة

أصبح حلم إيجاد شقة للإيجار في الجزائر العاصمة عسيرا بالنسبة إلى الفتيات العاملات واللائي أتين من مناطق داخلية للعمل، حيث يفاجأن برفض أصحاب البيوت تأجيرهن الشقق خوفا من المشاكل، إلى درجة أن الوكالات العقارية تشترط أن يكون المستأجر متزوجا، ليكون الملاذ الوحيد هو الكراء في نزل أو مراقد مخصصة للبنات وبأسعار باهظة تصل 9000 دج للغرفة.  

 وفي هذا المقام، تقول “سهام”، 26 سنة، مستشارة قانونية في شركة خاصة، إنها عانت الأمرين لتجد مكانا تستقر فيه، خاصة أنها من ولاية بجاية وحصلت على عمل في الجزائر العاصمة بعد تخرجها في الجامعة، حيث درست الحقوق. وأضافت أنها قصدت الوكالات العقارية رفقة صديقة لها لاستئجار شقة لكنها اصطدمت بالواقع المر؛ ففي كل مرة تقابل فيها مالكي الشقق المعروضة للإيجار في الوكالة العقارية تصطدم بالرفض مرة لأن صاحب البيت يريد تأجير بيته فقط للمتزوجين، ومرة أخرى لأنهم يخافون تأجير بيوتهم لبنات عازبات.. وتضيف أنها اضطرت في الأخير للإقامة لدى امرأة عجوز كانت تؤجر بيتها للفتيات العاملات، حيث أجَّرتها غرفة بمبلغ 7000 دج شهريا. وكانت تتقاسمها رفقة صديقتها، وهي الأخرى كانت تدفع نفس المبلغ. وتؤكد محدثتنا أنها عاشت عذابا عند هذه العجوز التي كانت تتدخل في كل كبيرة وصغيرة في حياتهن وتسمح لنفسها أن تدخل غرفتهن وتقلب أغراضهن دون أي استئذان، لتتخلص من معاناتها بعدما تزوجت واستقرت مع زوجها.

 في هذا السياق، وجدت العديد من الفتيات العاملات أنفسهن في مواقف صعبة بسبب صعوبة إيجاد شقة للإيجار إما لغلاء سعرها، حيث يتراوح سعر شقة من غرفة واحدة في وسط العاصمة (ستوديو) من 20000 إلى 30000 دج، أما في ضواحي العاصمة فسعر الشقق يكون حسب نوع  الحي إن كان شعبيا أو راقيا. وفي هذا السياق، برزت في عديد من أحياء العاصمة ظاهرة المراقد أو النزل والمخصص للبنات، والذي يتراوح مبلغ الإيجار الشهري فيه بين 6000 دج و 9000 دج حسب المنطقة، ويكون للنزيلة حق الحصول على سرير فقط في غرفة تتقاسمها مع أربع بنات، والمعضلة أن صاحبة النزل في كثير من الأحيان لا تدقق البحث في أصل الفتيات المستأجرات ومهنتهن، بحيث تؤجر الغرف لأي واحدة تمنحها المال وتطلب منها فقط بطاقة الهوية ولا يهمها أي شيء آخر وهو ما يمثل مشكلا حقيقيا.

 تقول “نسيمة” 27 سنة، والتي تعمل أستاذة في الجامعة، بأنها في إطار رحلة البحث عن شقة للإيجار وجدت في جريدة وطنية، رقم هاتف سيدة تملك نزلاً وتؤجر غرفاً فيه للفتيات، ولما اتصلت بها ودلتها على المكان، لم تتوقع أبدا أن تجده بهذا الشكل، فهو بناية من العهد الفرنسي في حي شعبي في الجزائر العاصمة آيلة للسقوط، وفيها شقق تحوي كل واحدة منها ثلاث غرف، ولكن لأن ظروف عملها لم تسمح لها بالرفض، قبلت العيش فيه مؤقتا إلى حين تجد بديلاً أفضل. وتضيف: “في البداية شعرتُ بالاطمئنان لما عرفت أن صاحبة النزل توظف حارسا في المبنى، لكن مع دخول الغرفة اكتشفت الكارثة، فالمستأجِرات من جميع الفئات؛ منهن المطلقة وحتى الهاربة من المنزل وغيرهن من البنات ذوات المستوى المحدود. وفي ذلك النزل وجدت كل أطياف المجتمع والعقليات من المتعلمة إلى الجاهلة ومن كل مناطق الجزائر، وهذا ليس بالشيء الجيد”. وتضيف: “لم أستطع التحمّل في ذلك المكان أكثر من شهر، لأغادره بعدما تمكنت من إيجاد شقة في ضواحي العاصمة استأجرتها رفقة ثلاث فتيات أخريات أعرفهن جيدا”. وتضيف: “لجأنا إلى حيلة توثيق العقد باسم والدي للتخلص من مشكلة رفض الإيجار للبنات”.

 وبهذا، فكراء شقة بالنسبة إلى الفتيات في الجزائر أصبح حلما مستحيلا، خاصة مع رفض المستأجرين فكرة التأجير للفتيات العازبات مخافة المشاكل مع الجيران، باعتبار أن هناك نظرة سلبية لدى المجتمع الجزائري عن سكن البنات لوحدهن، بحيث تكون الأعين كلها متجهة نحو تلك الشقة، ونظرا لاستغلال البعض من الفتيات السيئات السمعة للشقق لأغراض أخرى كالدعارة وغيرها من الأعمال المشينة، فالمستأجرون باتوا يخافون مثل هذه التصرفات، سواء بالنسبة إلى تأجير السكنات للبنات العازبات أو حتى الرجال على حد سواء، لتدفع الثمنَ البناتُ الشريفات والباحثات عن شقة للإيجار لغرض الاستقرار لضمان لقمة العيش والتي لم تتوفر لهن إلا في العاصمة، وتكون رحلة البحث عن مأوى التي يستغلها إما سماسرة العقار بعرض شققهم للإيجار بأسعار خيالية، أو سيِّدات حوَّلن العمارات والبيوت إلى نزل لتأجير البنات سريرا في غرفة بمبالغ غالية وفي ظروف غير مُرضية. 

مقالات ذات صلة