جزائريون يشاهدون ست مقابلات دولية يوميا
بينما وضعت مختلف البطولات الأوربية أوزارها الأسبوع الماضي باستثناء البطولة الفرنسية، وبعد أن عاش معها بعض الجزائريين وللأسف عددهم يقدر بعشرات الآلاف بإدمان غريب كل أطوارها، بدأوا الآن التحضير لمتابعة مباريات كأس أمم أوربا في أوكرانيا وبولونيا خلال شهر جوان في عز الامتحانات وبداية التحضير للشهر الفضيل.
لا أحد مهتم بالألعاب الاولمبية التي ستشهدها لندن خلال الصائفة القادمة التي تعني كل الرياضات ودليل على تقدم الأمم بدنيا وذهنيا، مادام الهوس بالكرة المستديرة صار أشبه بالوباء الفتاك الذي قضى على الكثير من الأسس الاجتماعية عندما أصبح الشاب لا يعود من المقهى سوى بعد منتصف الليل، لأنه منشغل بمتابعة مباريات الكرة، أو ينفرد في غرفة نومه معتكفا مع مباريات كرة دولية تقدمها العشرات من القنوات، لا تنتهي واحدة منها حتى تنطلق أخرى، وصار الإدمان ليس على المباريات الكبرى كما كان الشأن بالنسبة للكلاسيكو الإسباني الشهير بين برشلونة وريال مدريد أو الكلاسيكو الإيطالي بين الإنتير والميلان، وإنما يخص كل المباريات وكل البطولات بدون استثناء.
والغريب أن البعض صار يتابع حتى بطولات الدول الخليجية ويحفظ أسماء لاعبين ومدربين عن ظهر قلب، لا يحفظها أبناء البلد الذي يلعبون فيه، وكان الهوس بالكرة الذي اندلع خلال مباريات المنتخب الجزائري وصراعه على بطاقة المشاركة في المونديال الماضي مع مصر قد بدأ منذ عام 2009 وأخبار نجوم الخضر في مختلف البطولات الأوربية فصار بعض الجزائريين يتابعون مباريات غلاسكو رانجز في البطولة الاسكتلندية من أجل اللاعب مجيد بوقرة ومباريات فولفسبورغ من أجل زياني وآييك اليوناني من أجل جبور والخور القطري من أجل صايفي، لتبقى نفس الظاهرة مع تعدد اللاعبين، وأضيف لها متابعة تفاصيل دقيقة جدا عن كل البطولات من ألفها إلى يائها، وازدحمت أسماء اللاعبين في ذاكرة الكبار والصغار ولم تعد مختصرة فقط على النجمين العالميين كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي.
والغريب أن مختلف البطولات أنهت مشوارها يوم الأحد الماضي، ومع ذلك مازالت القنوات الرياضية العالمية وخاصة الجزيرة الرياضية هي الأكثر متابعة رغم أن كل المباريات المقدمة قديمة ونسيها حتى اللاعبون، وهناك من تابع مباراة ليفانتي واتليتيكو بيلباو ضمن الدوري الإسباني ست مرات وأكثر بسبب تسجيل عبد القادر غزال فيها هدفين، ولا نظن أن غزال نفسه فعل ذلك، وتعتبر الجزائر الوحيدة في العالم بسبب شغف الجماهير من تمتلك هذا الكم الكبير من اليوميات الصحفية الرياضية أو لنقل صراحة الكروية التي تهتم بالكرة الجزائرية والعالمية، رغم أن فرنسا التي منها انطلقت فكرة كأس العالم وتأسست بها الاتحادية العالمية لكرة القدم لا تمتلك غير يومية رياضية واحدة تهتم بكل الرياضات من الرغبي إلى الدراجات وأيضا بكرة القدم، بينما اختصرنا نحن العالم الرياضي في لعبة كرة القدم حتى لا نقول اختصرنا الحياة في لعبة كرة القدم.
من ممارسة الكرة إلى مشاهدتها… فقط؟
التفرج على مباريات الكرة والهوس بها بهذه الدرجة الجنونية الوبائية أثر على الكرة نفسها في الجزائر، حيث أصبح الأطفال والشباب الذين كانوا يتزاحمون على ملاعب الكرة لممارسة هوايتهم المفضلة والرياضة الشعبية الأولى والأخيرة لا يجدون وقتا للعب الكرة والإبداع فيها، لأنهم يقضون نصف يومهم وأحيانا اليوم كاملا في المشاهدة، حتى أن ثانويين وجامعيين وبطالين قالوا للشروق اليومي أنهم صاروا يشاهدون ست مقبلات كاملة في اليوم الواحد، أي أنهم يقضون أزيد من تسع ساعات متسمّرين أمام شاشات التلفزيون في شبه اعتكاف كروي، والأطفال الصغار المنبهرين بألعاب ميسي ما عادوا يجدون الوقت لتقليد النجم العالمي الكبير، حيث أكد للشروق اليومي كل المشرفين على المدارس الكروية شحّ المواهب التي كانت تزخر بها الجزائر بعد أن غابت عن الأعين نهائيا مباريات الكرة التي كانت تجرى في الشوارع والأزقة الضيقة التي أعطت للجزائر المواهب الشهيرة مثل ماجر وعصاد، حتى أن بعض اللاعبين مثل علي بن الشيخ كان يسمى لاعب الأحياء الشعبية، وغالبية النجوم بدأت من الشارع بدليل أن المنتخب الجزائري لكرة القدم صار منذ سنوات طويلة يعتمد بالكامل على المنتوج الفرنسي وأحيانا على “فضلات” المدارس الفرنسية.
وحتى مدارس الكرة الجزائرية ما صارت تنجب لفرقنا سوى لاعبين عاديين بدليل المستوى العام لمختلف البطولات المسماة بالمحترفة، حيث يتدهور المستوى كلما نزلنا نحو البطولات الصغرى والأصناف الصغرى، وتحوّل الازدحام على الملاعب ومساحات اللعب إلى ازدحام على المقاهي لأجل مشاهدة ما يُلعب في الضفة الأخرى، والمشاهدة القياسية انتقلت إلى تلاميذ الابتدائي الذين صاروا لا يحفظون أسماء لاعبي فالونسيا الإسباني واتليتيكو مدريد ولم تعد الظاهرة مقتصرة على بطولة إسبانيا التي ينشط بها خمسة لاعبين جزائريين وهم غزال وكادامورو ويبدة وفيغولي ولحسن أو إيطاليا حيث يلعب جمال مصباح ولا على البطولات التي تبثها الجزيرة الرياضية وإنما أيضا على بقية البطولات، حيث تابع الجزائريون بشغف لا يقل عن هوس الكلاسيكو الاسباني الأنفاس الأخيرة من البطولة الإنجليزية بداية الأسبوع المنقضي بين الغريمين مانشستر يونايتد ومانشستر سيتي، وسار أنصار رفقاء سمير ناصري في مواكب فرح بعد فوز فريقهم الذي هو في الحقيقة ليس فريقهم، وصاروا يحفظون عن ظهر قلب أسماء نجوم البطولة الانجليزية التي تبث عبر قنوات أخرى لا يمكن مشاهدتها إلا بالدفع مثل أبوظبي الرياضية وكنال بليس.
وكثير من العائلات الجزائرية صارت تضحي بضروريات من أجل بطاقات الاشتراك الغالية الثمن، ومنها من تشتري ثلاث بطاقات دفعة واحدة، أي أنها لا تريد أن تضيّع أي لقطة كروية ولو في آخر الدنيا لمتابعة مباريات الكرة، ولا تمانع النسوة والبنات في ذلك، حيث تتسمرن جنبا إلى جنب أمام شاشات التلفزيون مع أزواجهن وأبنائهن وأخواتهن، خاصة أن الكثير من العائلات اقتنت لأجل الكرة شاشات البلازما العملاقة، وما عادت تكتفي بالتلفزيونات الصغيرة العادية، لتنتقل العدوى للجميع، وطلبة قرابة ثلاث مئة إقامة جامعية يمكنهم التفريط في المكتبات وقاعات الانترنت، ولكنهم يشترطون شاشات التلفزيون وبطاقات القنوات الرياضية لأجل متابعة مختلف البطولات وهي نفس الحكاية بالنسبة للإقامات الجامعية الخاصة بالبنات اللائي تحولت غرفهن الجامعية إلى معرض صور أبطال الكرة وليس نجوم الفن العربي والغربي مثل الزمن السابق، فخلال إضراب الخدمات الجامعية الذي شهدته الجزائر هذا الأسبوع الذي حرم الطلبة والطالبات من وجبات الغداء والعشاء كان الاستثناء في متابعة المباريات عبر التلفزيون مع أنفاس الدوريات الأوروبية الأخيرة مما يعني أن الهوس بالكرة قد قتل نهائيا هوايات أخرى مثل الفن وحتى التجوال.
أما عن الهوايات الثقافية الراقية فحدث ولا حرج. وحتى ليونيل ميسي الذي يٌقال أنه لا يوجد إنسان على الكرة الأرضية عاشق للكرة مثله إلى درجة أنه يُنوّم الكرة بين أحضانه لا يشاهد ست مباريات يوميا كما يفعل بعض الجزائريين الذين يبقون كل هذه الساعات التسع أو أكثر معرضين لمختلف الأمراض التي يسببها التواجد باستمرار قرب التلفاز، والنتائج السيئة التي حققتها الرياضة الجزائرية في الألعاب العربية واحتمال أيضا أن تكون نتائج الألعاب الأولمبية أيضا سيئة من دون ميداليات ذهبية ولا حتى برونزية، دليل على أن الرياضة الجزائرية تدفع ثمن اختصارها في لعبة كرة القدم فقط، والسيد جيار الذي قال عدة مرات أنه ليس وزيرا للكرة وإنما وزير للرياضة يعلم أنه وزير فعلي لكرة القدم فقط.
مهازل البكالوريا... حوامل يحصلن على 20 من 20 والوزير يتفرج؟
ولا توجد أية نية لتغيير هذا الوضع المُعوجّ الذي تعاني منه الرياضة والشباب سواء من طرف الوزارة المعنية أو من طرف وزارة العمل والتكوين المهني أو من طرف وزارة التربية والتعليم وحتى من طرف وزارة التعليم العالي، حيث تراجعت الممارسة المدرسية وانقرضت الرياضة والعمل، ولم يعد للطلبة الجامعيين أي اهتمام رياضي، ووزارة التربية لا تتدخل لتوقيف مهزلة التنقيط الخاصة بشهادة البكالوريا، إذ لا تقل معظم النقاط عن 17 من عشرين، وتحصل بعض الحوامل من فئة الأحرار على العلامة الكاملة أي 20 من عشرين رغم أنهن يمارسن الرياضة في يوم الامتحان على شاكلة تدحرج البراميل، وهناك طلبة بكالوريا يتحصلون على معدل عام دون 2 بالمئة في كل المواد وبالمقابل نقاطهم في الرياضة تقارب العشرين، مما يعني عدم الاهتمام بمادة الرياضة وممرنيها الذين يوزعون النقاط بالمجان، وميسي النجم الكبير والظاهرة الغريبة لا يحصل في حسن أحواله على أكثر من 8 من عشرة من تنقيط على أدائه، بينما ترى رياضتنا الكمال لمن لا يمارس الرياضة أصلا.
والرياضة هي حاليا المادة الدراسية الوحيدة البعيدة عن الدروس الخصوصية، وأستاذ الرياضة اقتنع بأن مادته مخصصة لنفخ معدلات الطلبة المقبلين على شهادة البكالوريا، ويبدو في هذه الحالة الاستغناء عن مادة الرياضة أحسن من إهانتها وإهانة أساتذتها، في بلد الكل يشاهد كرة القدم فقط ولا تهمه ممارستها أو ممارسة بقية الرياضات، ولا نتحدث عن الأمراض العضوية على مستوى الظهر والأعين التي يسببها تسمّر الجزائريين أمام الشاشات لساعات طويلة والأمراض النفسية والاجتماعية وحتى الفتن بين الناس كما حدث بين أنصار برشلونة وأنصار ريال مدريد هنا في الجزائر.. أليس هذا وباء ولا دواء له لحد الآن ولا توجد حتى نية لمعالجته؟