جزائريون يقيمون بفرنسا ينفقون 300 مليون من أجل الحج
من كل الأعمار، ومن مختلف المدن الفرنسية، ومن كافة دول أوربا، يسافر الجزائريون في كل سنة إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج، ويتضاعف عددهم من سنة إلى أخرى، ويتشبّب أيضا، وتتطور نوعية الحجاج المسافرين إلى البقاع المقدسة. ويجمع السعوديون على أن الحجاج الجزائريين القادمين من بلاد الغربة، يُقدمون صورة مشرقة لمسلمي أوربا وللجزائر، من خلال نظامهم الذي لا يختلف عما نشاهده لدى الحجاج الأندونيسيين والماليزيين.
“الشروق” انتقلت إلى عدد من الفنادق، التي نزل بها الحجاج المغتربون، وعاشت معهم بعض الأجواء الروحانية والاجتماعية تحت قيادة الشيخ ميسوم الشاوي، وأصله من قصر البخاري، وهو إمام متطوع في باريس.
المبهر في فوج الحجاج المهاجرين، هو غلبة العنصر الشبابي، على بقية فصول الأعمار، سواء من المهاجرات الشابات أم من الذكور، والجميل أنهم يتوجهون إلى البقاع المقدسة ضمن عائلات، سواء الزوج وزوجته أم الأشقاء أم الآباء وأبناؤهم، بالرغم من ثقل فاتورة التوجّه إلى البقاع المقدسة، التي وصلت لدى بعض الوكالات إلى رقم 17000 أورو، أي قرابة 300 مليون بالعملة الجزائرية، ومن كثرة طالبي الحج من المغتربين، تحول نقل المهاجرين إلى المنافسة بين الوكالات، ومنها وكالة “أورون فواياج”، التي مكّنت الكثير من الحجاج من الشعيرة بمبلغ لم يزد عن 4000 أورو، أي نحو 70 مليونا، وهو ما اعتبره أفراد الجالية الجزائرية في المهجر مقبولا.
تقول السيدة نادية عزوط، وأصلها من البليدة، إن زوجها قدم لها هدية العمر التي، جعلتها حتى وهي تنهي مشاعرها غير مصدقة لهذا الحلم الجميل، وتذرف السيدة نادية التي استقبلتنا في غرفتها الجماعية، التي وجدت فيها رفقة زوجها وفردين من عائلتها، تذرف الدموع، وهي تروي لنا شعورها، عندما أدّت الفريضة: “كنت أسمع عن الحج والآن أعيشه، سأجد صعوبة كبيرة في رواية ما شاهدت لأهلي لأن الأمر يعني الأحاسيس الفريدة من نوعها، إنه أمر مبهر، هنا تعرف عظمة الإسلام الذي يجمع الناس من كل الفئات، ومن كل بقاع العالم، لقد عشت حلما، وسيتعذب زوجي معي في السنوات القادمة لأنني سأطلب منه أن يعيدني إلى هذه البقاع المقدسة”، وتجبر دموع الفرح السيدة نادية على الصمت، فيأخذ عنها الكلمة زوجها السيد محمد عزوط وأصله من البليدة لينصح الشباب المهاجر بأن يتوجه إلى البقاع المقدسة، ويرى أنه لا مانع يوقفه من أجل أداء الفريضة، لأن الاستطاعة تكمن في الماديات وفي الصحة والشباب، ويقول بخجل كبير: “أحس بأنني ولدت من جديد، لقد منّ الله علي بنعمة العودة إلى البقاع المقدسة رفقة زوجتي، وإن شاء الله سأعود إلى هذا المكان”.
أما الحاج محمد بوديسة الذي لم يصل بعد سن الخمسين، فبدا وكأنه من أهل الدار، لأنه حطّم أرقاما قياسية في أداء مناسك الحج، فمنذ عام 1992 وهو يعرّج إلى البقاع المقدسة وفي كل مرة ينقل حاجا أو حجاجا جددا من المهجر إلى مهبط آخر الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، ويقول باعتزاز: “الحمد لله.. الفارق بين الحج في الماضي والحج الآن تغير إلى الأحسن، كمًّا ونوعا، الناس صاروا أكثر التزاما بالشريعة وأيضا بالنظام، لم أكن أشاهد في السابق سوى بعض الطاعنين في السن من المهاجرين الذين يؤدون فريضة الحج، ولكنهم الآن من كل الأعمار، في كل سنة يزداد تعلقي بهذا المكان الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبُعث فيه، وفيه ترعرع الرعيل الأول من فرسان الدين الحنيف”.
من ليل ومارسيليا وغرونوبل وليون وبروكسل.. الحج ألهب النفوس. الكل يريد فرصته، فقد بلغ رقم الحجاج القادمين من فرنسا عشرة آلاف، وهم أكثر عددا من ثلث القادمين، من الجزائر.
المبهر أيضا هو الأجواء الاجتماعية التي توفرها الشعيرة للمغتربين والمغتربات، فبالرغم من أن غالبية الفنادق التي نزلوا بها توفر فطور الصباح ووجبة العشاء، إلا أن بعض النساء وحتى الرجال يدخلون إلى المطابخ الفندقية، المهيأة لأجل طبخ الشاي والقهوة، ويتفننون في طهي بعض المأكولات التقليدية التي تسافر بالحجاج إلى مختلف المدن الجزائرية. وأكد حجاج أنهم تذوقوا الكسكسي والبركوكس والشطيطحة وما شابه ذلك في أجواء جزائرية رغم أن السكن في فرنسا. ونحن بصدد إجراء هذا التحقيق مع مهاجرينا، نزل علينا وعليهم، خبر وفاة حاجة مغتربة صباح الأحد، قدمت من مدينة سانتيتيان الفرنسية، رفقة ابنها، عن عمر ناهز 75 سنة، حيث أصيبت بسكتة قلبية، الحاجة مريم بوعكوس التي تعود أصولها إلى ولاية تبسة هي أول حالة وفاة لدى الحجاج المغتربين.