الجزائر
التنقل إليها يتم بواسطة القوارب

جزيرة رشقون.. عروس تغري المصطافين وعشاق الجمال

زهيرة قلعي
  • 910
  • 0
أرشيف

تشهد جزيرة رشقون ببني صاف بولاية عين تموشنت، والمعروفة محليا باسم “ليلى” حركة نشطة هذه الأيام، من قبل الزوارق المتجهة منها وإليها بشكل يومي، والتي توصل المصطافين وعشاق الطبيعة البحرية إلى هذه الجزيرة الساحرة التاريخية التي تزين الساحل المتوسطي.
على مدار اليوم تتراءى مختلف أنواع الزوارق القادمة والمتجهة إلى جزيرة رشقون، انطلاقا من مختلف شواطئ بني صاف وولهاصة لنقل الزبائن الراغبين في اكتشاف ما تجود به طبيعة الجزيرة، وقضاء أوقات مميزة في الاستجمام والسباحة على ضفاف الجزيرة الصخرية، فأصحاب الزوارق اتخذوا من التنقل الى الجزيرة مكسب رزق لهم، فهم ينقلون الزبائن مقابل مبالغ مالية لا تقل عن 1000 دج للفرد الواحد، حيث يتم الاتفاق مسبقا ليقوم أصحاب الزوارق بنقل الزبائن إلى الجزيرة والتفاهم على موعد إعادتهم إلى اليابسة كما أخبرنا بذلك السيد “بوسيف” مالك لأحد الزوارق الناشطة في هذا المجال، والذي أكد للشروق أنه يكسب قوته اليومي خلال موسم الاصطياف من خلال توصيل الزبائن الراغبين في زيارة الجزيرة من أجل الاستجمام وحتى تناول وجبة الغداء هنالك، كما أن بعض الشباب يفضلون قضاء الليل على الجزيرة.
ويضيف “بوسيف” أنه ليس من السهل نقل الزبائن، فيجب على من يقوم بهذه المهمة أن يكون ملما بالبحر وعلى معرفة ودراية بأوقات هيجانه وارتفاع المد لتجنب أية مخاطر، وأضاف أن هنالك بعض الزواحف كالأفاعي” الثعابين” التي تعيش بالجزيرة، ناهيك عن صعوبة تضاريسها، خاصة ضفافها التي تستهوي عشاق السباحة، والذين يجهلون وجود بعض الأسماك الكبيرة التي تعيش بين صخورها.

منارة شامخة رغم تعاقب القرون
عشاق الجمال والمغامرة ينتظرون قدوم الزوارق من أجل نقلهم إلى الجزيرة واكتشاف خباياها، وخاصة زيارة المنارة العتيقة التي توجد على أعلى نقطة بالجزيرة، هذه المنارة التي تم بناؤها عام 1870م، على الجرف المرتفع في الجزء الشمالي من الجزيرة، وترتفع المنارة 81 مترا فوق مستوى سطح البحر، ويمكن لنورها أن يصل إلى 16 ميلا بحريا، أي ما يقارب 29 كلم، لتوجيه مراكب الصيد والسفن، لكن للأسف هذا النور الذي عايشه سكان بني صاف وولهاصة لسنين طويلة، انطفأ منذ سنوات، ولم تتم صيانته لإعادته للعمل منذ ذاك الحين، ولم يتبق سوى مبنى المنارة كمتحف مفتوح يحاكي الزمن ويجلب السياح اليه، للمتعة وقضاء أوقات ممتعة بالجزيرة ذات البعد التاريخي والأيكولوجي.
جزيرة “ليلى” تعتبر من بين أهم الجزر التي تزين الساحل الجزائري وعددها 208، وتتربع على مساحة 26 هكتارا وتبعد عن اليابسة بشاطئ رشقون ببني صاف بحوالي 3 كلم مقابل مصب وادي تافنة، الذي تصب مياهه ذات اللون الأخضر مباشرة بشاطئ رشقون لتمتزج بزرقة مياه البحر، وتفصل شاطئ رشقون 1 التابع لبلدية بني صاف وشاطئ رشقون 2 التابع لبلدية ولهاصة الغرابة.
جزيرة رشقون “ليلى” ذات الأصل البركاني، كانت لها أسماء مختلفة على مرّ السنين، فالإسبان أطلقوا عليها اسم “جزيرة ليماكوس” أو “كراموليس” وهو حلزون (البزاق)، كما سميت قبلها باسم “أكرا” وهو اسم أمازيغي ويعني الرأس، كسبت شهرة على مدار الأزمنة والمحطات التاريخية، فالفينيقيون الذين اشتهروا بالتجارة استغلوا الموقع الاستراتيجي للجزيرة واتخذوا منها مركزا للتبادل التجاري الذي كان يعتمد على المقايضة في غياب العملة النقدية أنذاك، كالمعادن الثمينة من ذهب وفضة وعاج ومواد غذائية، لا تزال أعماق الجزيرة تحتوي على بقايا هذه الآثار الشاهدة على هذه الأزمنة، وهو ما يوحي بوجود حضارة منذ أكثر من 28 قرنا، حيث نجد آثار القرطاجيين الذين كانوا يشتهرون بالصناعة، لاسيما القماش باللون الأحمر الأرجواني، كما أن الفينيقيين كانوا يتنقلون عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، بدءا من مرسيليا وإيطاليا ويمرون عبر الجزيرة حسب ما كشفت عنه التنقيبات الأثرية، أين وجدت مقبرة تم اكتشافها عام 1954م من قبل باحث فرنسي، بها نحو 100 قبر تعتمد على الحرق، ما يؤكد أنها تعود للفينيقيين الذين كانت لهم متاجر بالجزيرة لمدة قرنين من الزمن .
فالمؤرخون من خلال نتائج أبحاثهم وتنقيباتهم بالجزيرة، استنتجوا أن البربر الذين استوطنوا شمال إفريقيا بشكل عام والجزائر بوجه خاص، قد استوطنوا بالجزيرة منذ 650 سنة قبل الميلاد، وذلك استنادا للقطع الأثرية التي وجدت بالمكان خلال مختلف عمليات البحث والدراسات التي قامت بها بعثات مختصة والتي توجد العديد منها في المتاحف وخاصة بالدائرة الأثرية لعين تموشنت .

تنوع بيولوجي
وإلى جانب أهميتها التاريخية والحضارية، فجزيرة رشقون “ليلى” لها دور مهم في التنوع البيولوجي البحري بالحوض الجزائري الغربي، وتعد خزانا للحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، لما تحويه من حياة بحرية سواء بأعماقها التي تضم تنوعا ساحرا لأنواع المخلوقات البحرية والنباتات البحرية النادرة التي تساهم في توازن الحياة البحرية وتوفير الأوكسيجين للكوكب، أو على سطحها من مختلف أنواع الطيور البحرية المهاجرة التي تتعدى 60 نوعا من الطيور التي تهاجر من مختلف قارات العالم إليها، خاصة من منطقة سيبيريا التي تأتي منها طيور نادرة كل موسم لتقيم أعشاشها على الجزيرة كما تعودت عليه منذ قرون، كما تعد منطقة عبور لأنواع أخرى من الطيور المهاجرة المتجهة كل موسم نحو دول افريقيا، باعتبارها منطقة رطبة وقد تم تصنيفها سنة 2012م وفق اتفاقية رامسار، لما لها من أهمية ايكولوجية .
أهمية تاريخية، ايكولوجية وبيولوجية إضافة إلى جمالها الساحر الذي حباها الله به لتكون جوهرة تزين حوض البحر الأبيض المتوسط، وتفتن عشاق الجمال وسحر الطبيعة البحرية، والباحثين عن المغامرة البحرية، كل ذلك يجعلها تستقطب العديد من الزوار خلال موسم الاصطياف .
جزيرة ليلى التي تختزل تاريخ المنطقة، وجب الحفاظ على عذريتها وجمالها، وهذا من خلال تحلي زوارها بالمسئولية من خلال الحفاظ على نظافة اليابسة وتفادي تلويث مياه الجزيرة، وعدم تدمير أعشاش الطيور.

مقالات ذات صلة