الشروق العربي

 جماجمهم في متاحفها.. فرنسا كانت تقطع رؤوس البنات باسم العلم

فاروق كداش
  • 2651
  • 1

من أنت أيتها الأرواح الطاهرة، بين الحقول، لاهية بضحكات متعالية.. من قتلك؟ ولمَ قتلك.. هل كنت شاهدة على محرقة الأغواط ومجازر توقرت وبجاية، وإبادة الزعاطشة؟ وهل احترقت أجسادك في مغارات الظهرة… من تكونين؟ فأنت الآن في جنات النعيم الخالدة، رفرفي في السماوات العلا.. فقد عادت الضحكات إلى أرضك.

في ركن خفي من أركان متحف الإنسان، في باريس، تقبع جمجمة لفتاة جزائرية صغيرة، يتراوح عمرها ما بين 7 و8 سنوات، في علبة سرية، تحمل رقم ها 247.. ساحرة البليدة وقد كتب على هذه العلبة.

وقد تبرع بهذه الجمجمة دكتور، اسمه كافيه، عام 1854. ولا توجد أي معلومات أو أرشيف يبين هوية هذه الطفلة البريئة، التي اختصر الاستعمار الفرنسي كنهها وكيانها بعبارة ساحرة. وقد أخفت فرنسا، بطريقة ماكرة، كل أثر لهذه الجريمة، التي لا يمكن إلا أن تكون وحشية الفعل وبهيمية المنطق.

خلال شهر ديسمبر 1845، أرسلت رأس طفلة أخرى إلى متحف باريس، في برميل يخمر فيه النبيذ عادة. وقد أخفيت رأس الطفلة بين أجزاء من جلود نساء جزائريات تم حفظها باستعمال مادة الفورمول.

وبجرة ممحاة، تم محو أي أثر لجمجمتي هاتين الفتاتين، اللتين كانت الحياة في بدايتها بالنسبة إليهما.. بربرية فرنسا، لم تكن لها حدود.. وبحجة العلم أو حجج واهية أخرى، أرسلت، كما يعلم الجميع، جماجم وهياكل جزائريين، قتلتهم وذبحتهم، إلى متاحفها، تفاخرا بعنجهيتها وجبروتها.

سفاحون برتبة علماء

حول علماء فرنسا العنصريون الجزائر إلى حقول، يجنون منها البيانات العلمية، لشعب كانوا مقتنعين قناعة عمياء بأنه أدنى منهم.. كيف لا وهم العرق الأبيض النقي. وقد كتب جورج كوفييه، أستاذ التشريح الفرنسي، في تقرير موجه إلى أكاديمية الطب: “لقد كتب على أصحاب الجماجم المضغوطة المفلطحة أن يعيشوا في دونية أبدية”.

هذا الأستاذ الهمجي، كان أول من حث الجيش الفرنسي على جمع بقايا العظام والجماجم، لدراستها وتخزينها في متاحف باريس. وراسل بهذا الصدد جي بولينياك، الذي وافق على هذا الطلب الغريب، تحت مسمى العلم.

بعد وفاته، حل الأستاذ بيار فلوران مكانه، وهو الذي عرف تاريخيا بامتلاكه أكبر مجموعة لعظام بشرية قادمة من الجزائر.. واحتفت فرنسا بعلمائها الدمويين، وشيعتهم في مقابرها المسيحية، وصاروا حماة للعلم والعلوم.. فيتال، بروكا، كاليو، فيدارب، غويون، كاف، فوزييه، ماندو.. والقائمة لا تزال طويلة لناهشي القبور من وراء

مكاتبهم، في أكاديمية العلوم.

مذكرات الجماجم

يوم 26 نوفمبر، 1849، في نهاية حصار دام مدة أربعة أشهر، شرع ما يقرب من 6000 جندي فرنسي، تحت إمرة الجنرال إميل إيربيون، بشن هجوم على الزعاطشة، واحة محصنة من الجنوب القسنطيني، مأهولة بالسكان، تمرّدت على الاستعمار، بقيادة الشيخ بوزيان.

الحصيلة، أكثر من 800 شهيد، وتم ذبح الناجين بكل وحشية. وشهد شاهد من أهلها، فهاهو الصحفي لويس دو بوديكور يصف ما حدث: “هاهنا، جندي يمسك طفلا صغيرا من قدميه، ويهشم دماغه على جدار.

لم ينج من هذه المجزرة، بحسب شهادات فرنسية، إلا “أعمى وعدد قليل من النساء”. أما الجنرال إيربيون، فقد أسر الشيخ بوزيان وابنه البالغ من العمر 15 عاما وأحد الشيوخ، ليقطع رؤؤسهم لاحقا، ويعلقها وسط ساحة ببسكرة، قبل إرسالها إلى فرنسا من قبل طبيب عسكري. هكذا تحتفل فرنسا بإنجازاتها بقطع الرؤوس أو جوائز الحرب، وتحويلها إلى “مادة علمية” تملأ المتاحف الأوروبية.

مقالات ذات صلة