الرأي

جمعية‮ ‬القلم

ما أكثر الجمعيات المنتسبة إلى الثقافة في بلادنا، ولكن أكثرها أسماء من غير مسميات، فلا هي جمعيات، حيث نلاحظ تفرق أعضائها، وتنابزهم؛ ولا هي ثقافية، لأن نشاط أكثرها هو مكاء وتصدية، وهمها هو أخذ نصيب من المال – قل أو كثر – من السلطات (البلدية، أو الولائية، أو الوطنية،‮ ‬والأجنبية‮ ‬لمن‮ ‬استطاع‮ ‬إلى‮ ‬ذلك‮ ‬سبيلا‮ ‬وكان‮ ‬عديم‮ ‬الوطنية،‮ ‬وعلى‮ ‬استعداد‮ ‬لبيع‮ ‬نفسه‮).‬

لقد عرفت بلادنا في أسوإ عهودها التاريخية، وهو العهد الفرنسي المشئوم، كثيرا من الجمعيات والنوادي، التي كانت إحدى وسائل الجهاد لنشر الوعي الديني والوطني والثقافي بين أفراد الشعب الجزائري، ولا يجادل أحد في أن أشهر هذه النوادي والجمعيات وأبعدها أثرا في تاريخ الجزائر‮ ‬المعاصر،‮ ‬وأجداها‮ ‬نفعا‮ ‬على‮ ‬الجزائريين‮ ‬هما‮: ‬نادي‮ ‬الترقي‮ ‬الذي‮ ‬أسّس‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬1927،‮ ‬وجمعية‮ ‬العلماء‮ ‬المسلمين‮ ‬الجزائريين،‮ ‬التي‮ ‬أسست‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬1931‮ (❊).‬

 

وقد أدركت فرنسا أهمية تلك النوادي والجمعيات وما نشرته من وعي في أوساط الجزائريين عموما، والشبان خصوصا، فعملت كل شيء لعرقلة هذه الجمعيات والنوادي عن القيام بواجباتها، ومن أغرب وأعجب ما أصدرته فرنسا من قرارات هو ذلك القرار الذي أصدره وزير الداخلية الفرنسي في‮ ‬13‮ ‬يناير‮ ‬سنة‮ ‬1938،‮ ‬ومما‮ ‬جاء‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬القرار‮:‬

“إن أية جمعية جزائرية لا يباح لها أن تقدم مجانا أو بيعا لأعضائها أوالواردين عليها أي مشروب يشرب هناك إلا بإذن من الوالي العام” (1)، والمقصود بالمشروب هو المشروب المباح من قهوة، وشاي وعصائر… وكان الهدف من وراء هذا القرار هو إفلاس النوادي مما يضطرها إلى إغلاق‮ ‬أبوابها،‮ ‬فلا‮ ‬تجد‮ ‬جمعية‮ ‬العلماء‮ ‬والحركة‮ ‬السياسية‮ ‬مكانا‮ ‬تلتقي‮ ‬فيه‮ ‬بالشبان‮ ‬الجزائريين،‮ ‬الذين‮ ‬ستتلقفهم‮ ‬الشوارع‮ ‬وشياطين‮ ‬الإنس‮ ‬ويُصيرونهم‮ ‬معاول‮ ‬هدم،‮ ‬وأدوات‮ ‬تخريب‮ ‬تستعملهم‮ ‬فرنسا‮ ‬ضد‮ ‬وطنهم‮ ‬وشعبهم‮.‬

من الجمعيات العاملة الآن في وطننا »جمعية القلم« التي أسست في عام 2008 بمدينة المدية، وهي وإن كانت حديثة العهد إلا أن ما أنجزته – بالنظر إلى قصر عمرها وإلى قلة ما بيدها من إمكانات – يعتبر كبيرا، ويعود نجاح هذه الجمعية الفتية إلى عدة عوامل:

‮❊) ‬المسؤولون‮ ‬عنها،‮ ‬فهم‮ ‬أساتذة،‮ ‬ومعملون،‮ ‬خاصة‮ ‬أن‮ ‬أهم‮ ‬نشاط‮ ‬تقوم‮ ‬به‮ ‬الجمعية‮ ‬هو‮ “‬الدّعم‮ ‬المدرسي‮ ‬ومحو‮ ‬الأمية‮”.‬

‮❊) ‬تمتعهم‮ ‬بخلق‮ ‬الإخلاص‮ ‬والجدية‮ ‬في‮ ‬أداء‮ ‬مهمتهم‮.‬

❊) تنوع النشاطات التي تقوم بها الجمعية، كالرحلات إلى المتحف الوطني للمجاهد، والزيارات إلى مركب صيدال لصناعة بعض الأدوية، وزيارة المركز الوطتي للجيوفيزياء والفلك، وفتح ورشات للخط العربي، وللرسم، وللتجارب العلمية، وإقامة دورات تكوينية في كيفية إنشاء موقع الكتروني،‮ ‬والفيديو،‮ ‬والبرمجيات،‮ ‬وإدارة‮ ‬الوقت‮.. ‬إضافة‮ ‬إلى‮ ‬محاضرات‮ ‬وندوات‮ ‬دينية‮ ‬ووطنية‮ ‬وثقافية‮ ‬ومسابقات‮.‬

إن قيمة هذه الجمعية – إضافة إلى قيمة أعضائها في عيون مجتمعهم – من قيمة اسمها، فالقلم مما أقسم به الله – عز وجل – ولا يقسم الله إلا بالجليل من الأشياء، فقد قال – سبحانه وتعالى – “ن، والقلم وما يسطرون”، “وجعله أداة تعليمه لخلقه”، فقال – عز من قائل: “.. إقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم”. والأقلام الحقيقية – كما يقول أحد أرباب القلم وهو الإمام الإبراهيمي – “هي التي تنفع، وتدفع، وترفع، وتسفع، وتشفع… تنفع القريب، وتدفع الغريب، وترفع القناع عن المريب، وتشفع للمنيب، وتسفع المعتدين بالناصية (2)”.

لقد شرفتني “جمعية القلم” بمدينة المدية، إذ تفضلت بدعوتي، يوم الجمعة 17 / 02 / 2012، فزرت مقرها، والتقيت أعضاءها، واستمعت إلى طرف من أخبارها ونشاطها، وسعدت بلقاء نخبة من أبناء المدية الأكارم في “دار الثقافة”، حيث تفضلوا فاستمعوا إلى كلمة ألقيتها عن “معاني العظمة‮ ‬في‮ ‬حياة‮ ‬الرسول‮ ‬صلى‮ ‬الله‮ ‬عليه‮ ‬وسلم‮”.‬

وبعد تلك الكلمة زرت رفقة بعض الإخوة المدرسة القرآنية التابعة لشعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فوجدت فيها ما يبهج الناظر ويسر الخاطر؛ حيث كانت مجموعة من الفتيان عاكفين على ألواحهم يحفظون كتاب الله – عز وجل – ولم يمنعهم من ذلك برودة الطقس وكثافة الثلوج‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬تغطي‮ ‬المدينة‮ ‬وما‮ ‬حولها،‮ ‬وتكاد‮ ‬تشل‮ ‬الحركة‮.‬

لقد حزنت عندما أخبرني الإخوة في المدية أن أحد أصدقائي، هو الأستاذ علي رميته قد التحقت ورقاؤه بعالمها الأسمى، فترحمت عليه، وتذكرت أيامنا معا. والأستاذ رميته من نواحي مدينة القل، ثم تديّر في السبعينيات مدينة المدية، وهو من أكثر من عرفتهم تديّنا وورعا، ولم يكن في ذلك ممّن يراءون الناس، فقد تزاملنا في ثانوية الشويخ بالكويت الشقيقة أربع حجج، وفي جامعة الجزائر ثلاثا، (كان منتسبا لكلية الحقوق، وكنت منتسبا لكلية الآداب، وكان مسجد الطلبة المبارك يجمعنا)، ثم تزاملنا فترة في العمل بالشركة الوطنية للنشر والتوزيع، إلى أن‮ ‬بدا‮ ‬له‮ ‬أن‮ ‬يعتزل‮ ‬الوظيف،‮ ‬ويفتح‮ ‬محلا‮ ‬صغيرا‮ ‬بمدينة‮ ‬المدية‮ ‬يحصل‮ ‬منه‮ ‬على‮ ‬قليل‮ ‬من‮ ‬المال،‮ ‬يقيم‮ ‬به‮ ‬صلبه‮ ‬وأصلاب‮ ‬من‮ ‬عليه‮ ‬نفقتهم‮ ‬من‮ ‬زوج‮ ‬وولد‮.‬

وقد‮ ‬أكرمه‮ ‬الله‮ – ‬عز‮ ‬وجل‮ – ‬فكان‮ ‬عصيّا‮ ‬على‮ ‬مغريات‮ ‬الحياة،‮ ‬ولم‮ ‬يلهث‮ ‬وراء‮ ‬ما‮ ‬يلهث‮ ‬وراءه‮ ‬الناس‮ ‬ولو‮ ‬كان‮ ‬على‭ ‬حساب‮ ‬ذممهم‮ ‬وكرامتهم‮.‬

ولقد يسّر له الله – سبحانه وتعالى – أداء عمرة في آخر أيامه، رغم شدة ضعفه ووهنه، إذ لم يلبث بعدها إلا قليلا، ثم ذهب إلى ربه مطمئن النفس، سليم القلب، حيث يصدق فيه قول سيدنا محمد – عليه الصلاة والسلام-: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”. فاللهم أنزل شآبيب‮ ‬رحمتك‮ ‬على‮ ‬عبدك‮ ‬علي‮ ‬رميته،‮ ‬وأفرغ‮ ‬صبرا‮ ‬على‮ ‬أهله،‮ ‬وإخوانه،‮ ‬ولا‮ ‬تفتنا‮ ‬بعده‮ ‬ولا‮ ‬تحرمنا‮ ‬أجره،‮ ‬وإنا‮ ‬لفراقك‮ ‬يا‮ ‬علي‮ ‬لمحزونون‮.‬

 

 

 

الهوامش‮:‬

‮(❊) ‬عن‮ ‬النوادي‮ ‬في‮ ‬الجزائر،‮ ‬أنظر‮: ‬عمار‮ ‬هلال‮: ‬أبحاث‮ ‬ودراسات‮ ‬في‮ ‬تاريخ‮ ‬الجزائر‮ ‬المعاصر

1‮ ‬ـ‮ ‬جريدة‮ ‬البصائر‭.‬‮ ‬ع‮ ‬108‮ ‬في‮ ‬15‮ ‬أفريل‮ ‬1938‮ ‬ص‮ ‬6

2‮ ‬ـ‮ ‬آثار‮ ‬الإمام‮ ‬الإبراهيمي‭.‬‮ ‬ج‮ ‬4‮ ‬ص‮ ‬208

مقالات ذات صلة