جمعية العلماء: تتجدد ولا تتبدد
فتحنا أعيننا وقلوبنا على مبادئها وشعاراتها، وتفتقت ألسنتنا، وتعالت حناجرنا بالتغني بأهازيج وأناشيد علمائها ودعاتها.
إنها الجمعية النبراس، أم الجمعيات، وخير جمعية في الجزائر “أخرجت للناس”، واكبنا جهادها وصمودها، ضد الغزو والعدوان، وتصديها لأعمال الشيطان من أتباع حزبه من الإنس والجان.
لقد تعمقت قيمها ومبادئها في العقول والقلوب، فتجندنا للعمل تحت لوائها في الصحاري، والجبال، وفي المدن، والقرى، والدروب، فعم خيرها بفتح المدارس، وإشاعة الوعي، وإعداد الأجيال، بكل فئاتها، لاستعادة الوطن، وتحرير الذات والاستقلال الوطني.
شاخ الزمن، فما شاخت، وأبلت الأحداث الإنسان والمكان، فما زادها ذلك إلا ثباتا ورسوخا، فما فتحت ملحمة أو معركة ضد الاستعمار، داخل الوطن أو خارجه، إلا كانت حاملة لواء الكفاح.
إن جمعية العلماء، هذا الرقم المستعصى كسره على أعداء الإسلام، لا يزال –والحمد لله- يحمل المصباح الحضاري، ليقضى به على الظلام، ويذود –في ضوئه- عن الإسلام والوطنية.
وقد يعتري الجمعية بعض الخفوت المؤقت، وقد يصيبها بعض السكوت المبيّت، ولكنها كانت ولا تزال تنتفض ضد كل محاولات التعدد الذاتي، أو العمل على دفعها للتشتت.
نسوق هذا بمناسبة الجمعية العامة السادسة الانتخابية، التي عُقدت يومي 8 و9 شعبان 1446هـ بتعاضدية مواد البناء بزرالدة، ضاحية الجزائر، وشهد اللقاء توافد أبناء الجمعية وبناتها من كل حدب وصوب، يحدوهم العمل على تجديد هياكل الجمعية، في ظل التسامح مع المخالِف، ومنهجية أدب الاختلاف، من دون غلوّ أو تشدّد.
نجح اللقاء في إفراز قيادة جديدة، ونأمل أن تكون ذات أعمال ونتائج سديدة، وبالرغم مما قد يبدو، من نقص التجربة، فإننا نؤمن بأنه بالتجربة نصنع المجربين، والتعلم قد يكون بالمحاولة والخطإ، كما يقول علماء النفس.
لكن ما يمكن أن نستخلصه من تجارب الجمعية عبر سنواتها الطويلة مجموعة من الدروس لعل أهمها هو ضرورة سموّها عن الاصطفاف، أيا كان لونه، والتحلي بأدب الاختلاف، مهما يكن وقعه، فإن الإسلام الذي أدَّبنا، فأحسن تأديبنا، يأمرنا بقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[سورة فصلت، الآية 34].
كما أن أتباع الجمعية، مطالبون أن يتحصنوا داخل الجمعية، بالوقاية من التعصب الحزبي أو الإيديولوجي، من دون معاداة الآخر، فلكلّ تنظيم منهجه، ولكل مؤسسة مقاصدها، ومن منهجية الجمعية، ومقاصدها، الزهد في المغانم السياسية والاقتصادية، وابتغاء وجه الله، وخدمة الوطن والإسلام فقط.
وفي هذا السياق، فإن أي حملة انتخابية محجورة داخل جمعية العلماء، بل إنها كما جاء في كلمتي الافتتاحية للجمعية العامة، تمثّل عدوانا على عقل العالم المنتمي لجمعية العلماء وعلمه وأخلاقه.
جمعية العلماء أكسبها الله، كما رسمت لنفسها، ميزة الشمولية الوطنية، فهي تعلو على الحزبية الضيقة، ولكنها لا تضيق بها، طالما لا تتعارض مع العمل الإسلامي الدعوي الملتزم بثوابت الوطن.
ومن هنا، فإنني أدعو إلى أن تُقبِل جمعية العلماء في المستقبل القريب، على تعديل قانونها الأساسي، ليتضمن بنودا تحدد بها معايير من يحق له انتخاب القيادة في الجمعية، وتكون هذه المعايير علمية بحتة، تسير في اتجاه ما يُعرف في الفكر الإسلامي بـ”أهل الحل والعقد”، الذين سيُصنَّفون ضمن شروط محددة، ويكون عددهم قليلا، فهم وحدهم الذين تُسند إليهم مستقبلا، مهمة اختيار القيادة العليا للجمعية، حتى نتجنَّب الانفعال والحماس المفرط للمقبلين على انتخاب المسؤولين.
ما يمكن أن نستخلصه من تجارب الجمعية عبر سنواتها الطويلة مجموعة من الدروس لعل أهمها هو ضرورة سموّها عن الاصطفاف، أيا كان لونه، والتحلي بأدب الاختلاف، مهما يكن وقعه، فإن الإسلام الذي أدَّبنا، فأحسن تأديبنا، يأمرنا بقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[سورة فصلت، الآية 34].
وفي هذا السياق أيضا، أدعو إلى إيجاد استثناء بالنسبة لتطبيق قانون الجمعيات المعمول به في بلادنا، فلا تطبَّق بعض بنوده على جمعية العلماء التي لها خصوصياتها التي لا تتنافى مع عموميات الوطن وقانون الجمعيات.
إننا لو فعلنا هذا، لأعدنا للجمعية وجهها العلمي الأصيل الذي ينبغي أن لا يغيب، ولمكّنا العلماء المتضلعين في العلم من استعادة مكانتهم في صفوف الجمعية، ولقضينا على تهميش بعض الكفاءات داخل الوطن وخارجه.
وما دامت جمعية العلماء، هي جامعة العلماء، فينبغي أن يكون الوجه العلمي فيها هو أيضا الطابع المميز، فقد تعلمنا في تراثنا الثقافي، أن الصوفية لهم الشيخ ولهم المريد، والكتاتيب لهم “الطالب” ولهم “القندوز”، وأن الجامعيين لهم الأستاذ ولهم الطالب، وهم يلتفُّون جميعا على المشترك العام وهو تلاوة القرآن، وقراءة الأذكار، والأوراد، وما عدا ذلك، فإن كل صنف له دوره المنوط به.
كما أنَّ من متطلبات الانتماء إلى جمعية العلماء، هو خدمتها لا استخدامها، فمن يقدم على الجمعية ينبغي أن يكون رائده التطوُّع والبذل، خصوصا بالنسبة للمسيِّرين، أما الموظفون، فلهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، طبقا للقانون المعمول به.
ومهما يكن من ملابسات تقلّد الأدوار داخل جمعية العلماء، فإن العبرة بالخواتم، وقد استطعنا أن نجنِّب الجمعية تصدعا كبيرا، بسبب إعادة الجمعية العامة التي لم يمض على تنظيمها سوى عام وبضعة أيام، وذلك لأسباب تنظيمية وإدارية، فقد تجاوزت الجمعية ظاهريا أسباب تأزمها، ونأمل أن تتمكن القيادة الجديدة من أن تسمو إلى مستوى حسن الأداء، وإعطاء الوجه العلمي الصحيح للجمعية، والقضاء على بعض السلبيات التي نتجت عن بعض التجاذبات، فبذلك تستطيع الجمعية أن تفرض وجودها، على الخاص والعامّ، فتستعيد بعض حقوقها، كالحصول على المقر اللائق، والميزانية الطبيعية، والمشاركة الفعالة في عملية الحوار الوطني، التي من المفترض أن تؤدي فيها الجمعية دورا متميزا، يصب في صالح المشترك الوطني العامّ.
ونبقى مع ذلك متفائلين، بأن تمد الجمعية يدها الأخوية، ومنهجيتها العلمية، إلى كل من يملك الاستعداد لخدمة الوطن.
وهناك مشاريع معطلة، نتمنى أن تُستأنف، بعد أن بقيت معطلة، مثل جمع علماء إفريقيا في مؤتمر إسلامي جامع، يوحِّدون به الصف والهدف، ويساهمون في تقديم النصح المفيد، لأئمَّــــة المسلمين وعامَّتهم. كما أن هناك الدعوة إلى قمة عُلمائية إسلامية تقضي على الشتات، وتزيل التطرف، والتشدد من أيّ جهة جاء.
في ضوء هذه المعطيات كلها، يمكن القول إن جمعية العلماء لا يخلو عملها من صعوبة، وذلك ثمنا لمسؤوليتها، ولكنها بالرغم من ذلك، استطاعت في اجتماعها الأخير أن تتجدد، دون أن تتبدد.
﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[سورة الأنبياء، الآية 105].