جمعية العلماء: على مشارف مائويتها الأولى
خمس سنوات تفصلنا عن الذكرى المائوية الأولى لميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 1931/2031، الذي كان في يوم 5 ماي 1931، فهل يذكر الجزائريون ذلك؟ وهل هم مستعدون لأن يحيوا هذه الذكرى بالقدر الذي تستحق؟ فيرتفعون إلى مستواها ومستوى خطابها الذي بلغ عنان السماء في عهدها الأول.
إن الجمعية -بكل أسف- كانت ولا تزال مكسورة الجناح، لم تجد من يصغي إلى غاياتها الكبرى ومكانتها الرفيعة التي كانت عليها من قبل في مجالها الذي ارتضته لنفسها، فلم تنل من الاحترام والتقدير المستحق، إلا من قبل القليل الذين ربطوا أنفسهم باسمها، وبوصفها حركة تربوية اجتماعية، قامت بما عجز عنه الكثير من نخب الأمة الإسلامية برمتها وليس نخب الجزائر فحسب.
فعندما أنشئت الجمعية، لم تنشأ بناء على “موضة العصر” الشائعة بين الناس يومها، حيث نشأت الكثير من الحركات الإحيائية في العالم الإسلامي، مع بداية القرن العشرين، لمواجهة الحملات الاستعمارية، ومقاومة انحلال مؤسسات الأمة، وآخر هذه المؤسسات، مؤسسة الخلافة التي سقطت رسميا في نهاية الربع الأول من القرن العشرين. فقد نشأت الحركة السنوسية في ليبيا، والوهابية في جزيرة العرب، والإخوان في مصر، وجمعية العلماء في الهند، والمهدية في السودان…إلخ، وإنما أنشئت وبنيت على تقوى من الله من أول يوم، وعلى بصيرة من الأمر، غير مقلدة لغيرها من التجارب السابقة، ووفق منهجية متفردة وضعها لها الشابان: عبد الحميد ابن باديس [1889 – 1940] ومحمد البشير الإبراهيمي [1889 – 1965] رحمهما الله، مع مطلع القرن العشرين وبالضبط في سنة 1913، عندما التقيا في المدينة المنورة، فجلسا مع بعضهما لدراسة الوضع في البلاد ووضع خطة للنهوض بها، بعد مرور ما يقارب القرن من الاحتلال، ومضي ثمانين سنة على حركة المقاومة المسلحة، التي فشلت في تحقيق ما تصبو إليه، فكانت حصيلتها استنزافا لقوى المجتمع: إزهاقا للأرواح وتلف لممتلكات، بفعل همجية الاستعمار التي لا تفرق بين شجر وحجر وبشر…
في تلك السهرات التي دامت ثلاثة أشهر، ولدت البذور الأولى التي أنجبت الجمعية بعد ذلك، يصف الشيخ الإبراهيمي تلك السهرات بقوله “كنا نؤدّي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي، فنسمر مع الشيخ ابن باديس، منفردَيْن إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنوّرة. كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصّلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتينا، وصحبها من حسن النيّة وتوفيق الله ما حقّقها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931” [آثار محمد البشير الإبراهيمي].
ولما عاد ابن باديس إلى الجزائر، شرع في تنفيذ الخطة التي رسمت في تلك السهرات على أن تكون تربية النشء على “فكرة صحيحة ولو مع علم قليل”، والمقصود بالفكرة الصحيحة، تصفية الذهن من سلطان الخرافة وغلبة الاستعمار الذي أوهم الناس بأنه قد استتب له الأمر، ليقول بعد حين إنه شيع جنازة الإسلام من الجزائر نهائيا، ويعلن عن وضع اللمسات الأخيرة “للجزائر الفرنسية”، وذلك في سنة 1930، احتفالا بمرور قرن على احتلالها، ولكن الله خيب فرنسا التي قررت أن تكون الاحتفالات سنة كاملة، فلم يمر على تلك الاحتفالات إلا ستة أشهر وتوقفت، بفضل اليقظة التي عمت الجزائر في تلك السنوات القليلة العامرة بقليل من الجهد.
إن النشاط الذي شرع فيه ابن باديس بعد عودته من الرحلة التي قام بها إلى المشرق، في مساجد قسنطينة وما جاورها من المناطق، بما أنشأ من مؤسسات تعليمية مثل مدرسة التربية والتعليم، وإعلامية مثل إنشاء مجلة المنتقد ثم الشهاب، والتحاق رفاقه به في عشرينيات القرن العشرين، محمد البشير الابراهيمي العائد من دمشق، والطيب العقبي العائد من الحجاز، وغيرهما من تلاميذه الذين تربوا على يديه في الجامع الخضر، وغير هؤلاء كثير من شيوخ الأمة الجزائرية ومثقفيها، من المصلحين الموجودين بالجزائر.
إن ذلك النشاط هو الذي كان بالمرصاد للرد المباشر على الادعاء الفرنسي وعلى الاحتفالات المائوي بالاحتلال الفرنسي للجزائر، لتعلن حركة الإصلاح، عن ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الخامس من ماي 1931، وترفع الشعار الرسمي للجمعية “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا”، وهي الثلاثية التي تمثل الرد المباشر على حركة التنصير، وعلى فرنسة اللسان الجزائري، واستقلال الوطن الجزائري عن الاستعمار الفرنسي، ومن استقلالية الجزائري عن الشعب الفرنسي واختلافه عنه تماما، في دينه ولسانه وانتمائه السياسي.
إن نشأة الجمعية المسبوقة بنشاط المصلحين السابقين، أمثال صالح بن مهنا، وعبد القادر المجاوي وحمدان بن لونيسي وغيرهم، كان فتحا مبينا على الجزائر، التي لم تعرف قبل ذلك، مثل هذا التنظيم الجديد وبهذا الحجم الذي كان ممثلا لجميع بقاع الوطن الجزائري بعمالاته الثلاث: قسنطينة وهران الجزائر… وذلك بعد الكثير من الدعوات الملحة وعمليات التحسيس، بضرورة إنشاء هيئة جامعة لعلماء الجزائر أطلق عليها الشيخ مولود الحافظي رحمه الله مصطلح “حزب ديني”، ويقصد تنظيما، وذلك في دعوته التي أطلقها في سنة 1926 على صفحات الشهاب.
إن الخطة التي اعتمدتها جمعية العلماء هي النهوض بالجزائر عبر النهوض بنخبها بمؤسسات تعليمية أصيلة منطلقها كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك ابن باديس بقوله: “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم فإنّما العلماء من الأمّة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كلّه وإذا فسد فسد الجسد كلّه، وصلاح المسلمين إنّما هو بفقههم الإسلام وعملهم به وإنّما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون. فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم. ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من علمه لنفسه وغيره فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالماً من علماء الإسلام يأخذ عنه الناس دينهم ويقتدون به فيه. ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه في مادته وصورته فيما كان يعلم صلى الله عليه وآله وسلم وفي صورة تعليمه، فقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلم أنّه قال: «إنّما بعثت معلما»، فماذا كان يعلم وكيف كان يعلم؟” [ابن باديس حياته وآثاره]، ذلك ما تعاهدوا عليه وتواصوا بالحق والصبر عليه وعلى مكارهه، فكان تركيزهم على التربية والتعليم، بحيث بلغ عدد المدارس مع مطلع الخمسينيات حوالي 400 مدرسة، بقيادة اكثر من ألف معلم وتخرج أكثر من 10 آلاف تلميد من البنين والبنات، إضافة إلى دار الحديث بتلمسان، ومعهد ابن باديس بقسنطينة، والبعثات العلمية إلى المشرق العربي، التي خطط لها ابن باديس قبل وفاته، حيث كانت له مراسلة مع شيخ الأزهر -الشيخ مصطفى المراغي، يحثه فيها على الاهتمام بالحركة العلمية، وتحمل الأزهر مسؤوليته، فإذا قدر على الأمة أن تسقط فيها الخلافة السياسية، فلا ينبغي أن تسقط الخلافة فيها العلمية، التي هي الأساس في قيادة المجتمعات.
ولقائل أن يقول لماذا كان اهتمام رجال الجمعية بالتعليم، في حين أن الأمة في ظل الاستعمار هي إلى النشاط السياسي أحوج لاستقلال البلاد؟ نرجئ الإجابة عن هذا السؤال إلى الحلقة الثانية من هذا المقال، بحول الله.