الرأي

جمعية العلماء في رحاب مدينة بريكة

بقلم: أسامة الطيب جعيل
  • 541
  • 0

في الوقت الذي بدأت حركات الوعي الدّيني والسياسي تدب في جسد الأُمّة الإسلامية في المشرق العربي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان المجتمع الجزائري غارقا في بحر الظلمات، مُتخبّطا في أتون الفقر والجهل، مقيَّدا بأغلال الاستعباد والإذلال، إذ وصل به اليأسُ والضّعف إلى الحضيض بعد أن فشلت المقاومات الشعبية في إخراج المحتلّ الغاشم من أرض الجزائر، هذا الوضعُ المزري الذي عاشه الشعبُ الجزائري بدا واضحا من خلال أحواله المعيشية في نواحي مختلفة.

وفي ظل هذه الظروف العصيبة، كان على الأمة أن تتحرك وتستنهض همتها، لاسيما بعد ظهور الدعوات والحركات التحررية في المشرق العربي، التي كانت في مجملها تدعو إلى نهضة الأمة بالفهم الصحيح لمقاصد الدين الإسلامي ومحاربة الاحتلال، فجاء تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يوم 05 ماي 1931 بنادي الترقي ليضع حدّا فاصلا وحاسما بين ماضي الجزائر، وهي تحت النّير الاستعماري، وبين حاضرها الذي أشرق زاهيا في ميدان النهضة الإسلامية العربية، ولقد كان ذلك الحاضر الجديد هو الأساس الراسخ المتين الذي بني عليه المستقبل، مستقبل الجزائر تحت راية الحرية والاستقلال.

 قبل تأسيس جمعية العلماء

مع بداية القرن العشرين، ظهرت بوادر حركة إصلاحية علمية بالمنطقة، تصدّرتها مجالس حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية في الكتاتيب والأقسام الخاصة بشيوخ القرآن، نذكر منهم: الشيخ الدراجي حمادي، الشيخ الصديق قراوي، الشيخ براهمي محمد الطاهر، الشيخ موسى زقاق، الشيخ العربي غالمي، الشيخ موسى عدنان، الشيخ لحسن سعودي، الشيخ عبد الله بن بعطوش، الشيخ مسعود سحوان وأمثالهم كثير، فبعد إتمام التلاميذ حفظ القرآن، يتم إرسالهم إلى الزوايا المنتشرة بالمدن المجاورة مثل الزاوية الرحمانية بطولقة وزاوية سيدي عقبة، وتأسَّس بمدينة بريكة مسجدٌ جامع تم بناؤُه بين سنتي 1894-1895 بمساهمة جميع أعراش المنطقة، في ظل حكم الحاكم العسكري جينين، لكن نظرا لمضايقات المستعمِر، فقد ظل المسجد مغلقا إلا لأداء صلاة الجمعة.

النشاط الإصلاحي للجمعية

إن تأثير دعوة الشيخ عبد الحميد ابن باديس الإصلاحية وجهوده التعليمية التي بدأها بالجامع الأخضر بقسنطينة منذ عام 1913 وصلت إلى المنطقة قبل إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يوم 05 ماي 1931، وتوسَّع وقوي هذا التأثيرُ وصار واضحا بعد ظهور الجمعية، بفضل جهود تلامذة ابن باديس الذين درسوا على يديه وعادوا إلى مواطنهم ليقوموا بنشر العلم والفكر الإصلاحي.

ولقد ساعد على الاستجابة لدعوى الإصلاح، والإقبال على التعليم العربي، وجودُ أرضيةٍ ثقافية سابقة مهدت الجو ويسَّرت العمل، هذه الأرضية التي بلورها نشاط شيوخ الإصلاح في مؤسسات المجتمع العريقة رغم ما عانته من نقص الوسائل مثل: الكتاتيب القرآنية أو زوايا حفظ القرآن لتعليم الأطفال، والمساجد، وحفظت لنا وثائقُ الجمعية تاريخَ تأسيس شعبة بريكة الذي كان نهاية سنة 1933 وبداية سنة 1934 برئاسة الشيخ موسى زقاق رحمه الله.

وكانت أول دفعة تخرّجت على الشيخ ابن باديس بقسنطينة سنة 1934 والتي أطلق عليها تسمية “جماعة السعد”، ومن بين تلاميذ المنطقة ضمن هذه الدفعة: عيسى يحياوي، محمد الدراجي ميهوبي، محمد بعلي الشريف، عمر زيوار، بوطي الحاج بن محمد، بوطي عمر، بوطي عيسى، وقد عيَّن الشيخُ ابن باديس كلا من عيسى يحياوي وبعلي الشريف محمد وميهوبي محمد الدراجي بلجان الجمعية الخاصة بالتعليم والدعاية ثم مديرين بمدارس الجمعية عبر ربوع الوطن، كما لا ننسى نشاط شيوخ التعليم من أبناء منطقة بريكة في نشر الحركة الإصلاحية عبر مختلف مدن الجزائر أمثال: الشيخ أحمد قراوي، الشيخ محمد قشي، الشيخ أحمد يحياوي، الشيخ محمد الدراجي نكوي، الشيخ الطيب عيلان، الشيخ أحمد حفيظ، والشيخ محمد الصديق عروة.

وتكررت زياراتُ شيوخ الجمعية إلى مدينة بريكة، وأوَّلُ زيارة كانت للشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1931 واستقبِل الشيخ ووفد الجمعية من طرف أهل مدينة بريكة باحتفال كبير افتُتِح بتلاوة القرآن الكريم من طرف الشيخ براهمي محمد الطاهر، ثم جاءت زيارة الشيخ مرة ثانية سنة 1936، ثم تلتها زيارة الشيخ أحمد حماني سنة 1938، وزيارة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي سنة 1948، وزيارة الشيخ عبد اللطيف سلطاني سنة 1949.

تأسيس مدرسة بريكة “السنة” و”السعادة”

بادر الشيخ موسى زقاق رفقة أعيان مدينة بريكة بتأسيس مدرسة لتعليم البنين والبنات تبرع بها السيد مسعود قوبابي سنة 1934-1935، فأقبل التلاميذ أفواجا أفواجا ولم تسعهم المدرسة، إضافة إلى المضايقات التي تعرَّض لها الشيخ موسى زقاق من طرف أعوان الاستعمار بسبب تدريس البنات رفقة الذكور، فتبرَّع الشيخ أحمد واشم بقسم من بيته قرب مسجد بريكة لتعليم البنات رفقة الشيخ الصديق قراوي، ثم تأسست مدرسة “السنة” من طرف الشيخ موسى زقاق ربيع سنة 1937 بالشارع الرئيسي للمدينة واستقبلت في عامها الأول زهاء 250 تلميذا وتلميذة، وتأسست في نفس السنة جمعيةٌ دينية تحت تسمية: الجمعية الدينية الإسلامية البريكية، ونادي الإصلاح برئاسة السيد حمو موصلي، وقامت المدرسة بمناسبة المولد النبوي الشريف وعيد الأضحى من سنة 1938 بإقامة احتفالات دينية حضرها جمعٌ غفير من أهل المدينة، قدَّم خلالها تلاميذ المدرسة عروضا مسرحية ووصلات إنشادية تصبُّ في سبيل الحث على تعليم الأبناء والقضاء على الجهل وسط المجتمع، تلتها خطبٌ من طرف مشايخ المدرسة: موسى زقاق، أحمد قراوي، بعلي الشريف محمد، عبد الله بن بعطوش، موسى رويشي، ولم تمرّ هذه الأمور ببساطة على المستعمِر الذي أصدر قرارا بإغلاق مدرسة بريكة الحرة لمدة أكثر من خمسة أشهر، لتعود المدرسة بفضل جهود الشيخ موسى زقاق.

وقبل وفاة الشيخ موسى زقاق، أوصى بجلب الشيخ عيسى يحياوي من مدينة خنشلة سنة 1942 لأنه في نظره هو من يصلح لنهضة مجتمع بريكة، وباشر الشيخ عيسى يحياوي مهامه بالمدرسة، رفقة ثلة من المعلمين نذكرهم: عيسى يحياوي، علي خميسي، عمار سنقوقة، عبد الله بن بعطوش، محمد الشيخ بن المكي، الشيخ مبارك قرفي….

تكررت زياراتُ شيوخ الجمعية إلى مدينة بريكة، وأوَّلُ زيارة كانت للشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1931 واستقبِل الشيخ ووفد الجمعية من طرف أهل مدينة بريكة باحتفال كبير افتُتِح بتلاوة القرآن الكريم من طرف الشيخ براهمي محمد الطاهر، ثم جاءت زيارة الشيخ مرة ثانية سنة 1936، ثم تلتها زيارة الشيخ أحمد حماني سنة 1938، وزيارة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي سنة 1948، وزيارة الشيخ عبد اللطيف سلطاني سنة 1949.

وبادر الشيخ عيسى يحياوي رفقة أعيان المدينة إلى بناء مدرسة جديدة بباحة مسجد بريكة الذي أطلق عليه تسمية الشيخ عيسى يحياوي بعد الاستقلال، وسميت المدرسة باسم “السعادة”، وتنقل الشيخ رفقة رجال من المدينة إلى فرنسا لجمع التبرُّعات لبناء المدرسة، والتي بوشر التدريس فيها ولم تنتهِ الأشغال بها حتى وافت الشيخَ عيسى يحياوي المنيةُ في شهر جوان 1955، واستمرت المدرسة بإدارة الشيخ محمد عروة حتى بعد الاستقلال، وتخرَّج منها ثلة من إطارات الجزائر في كل التخصصات نذكر على سبيل المثال: أ. د موسى لقبال، السفير أحمد قادري، العقيد محمد الصالح يحياوي رحمهم الله.

وسجل أهل بريكة بكل كرم وجود أسمائهم في سجلّ المتبرِّعين في كل الحملات الوطنية المنظمة من طرف جمعية العلماء المسلمين، سواء دعما لصندوق الطلبة بقسنطينة، أو مساهمات لصالح الجمعية أو اشتراكات في جريدة البصائر، ومما يُذكر كذلك المساهمة في إغاثة منكوبي زلزال الأصنام سنة 1953، فكانت الأموال تُجمع وتُقدَّم بواسطة رئيس الشعبة إما نقدا أو عبر الشيك البريدي.

مقالات ذات صلة