الجزائر
من التطوع و"أيادي العائلة" إلى المكننة والعمل المأجور

جني التمور ببسكرة… روح التضامن تقاوم العصرنة

م.عبد الرحمان
  • 202
  • 0

في بسكرة، حيث تمتد بساتين النخيل على مرمى البصر، وحيث تتحول عراجين “دقلة نور” إلى عنوان آخر للخريف. ويتعدى موسم جني التمور كونه فترة فلاحية لجمع المحصول، بل هو موعد تنتظره العائلات كما تنتظر الأعراس والمناسبات الكبيرة، فالنخلة تجمع حولها أفراد العائلة والجيران والأقارب، والبستان يستقبل ضيوفه قبل أن يستقبل ثمار الموسم، في مشهد تختلط فيه حركة الصعود إلى أعالي النخيل بأصوات الأهازيج ورائحة القهوة والكسرة الساخنة وأطباق الأكل التقليدي بما في ذلك الدوبارة والشخشوخة البسكرية، بالرغم من أن هذا “العرس الفلاحي” بدأ في السنوات الأخيرة يفقد بعضا من ملامحه القديمة، بفعل تغير المجتمع وتطور نمط الحياة ودخول المكننة واتساع الحسابات المادية، وضغوط الوسطاء الذين يحسبونها ماليا فقط، بعدما كان الجانب الاجتماعي والإنساني يحتل مساحة واسعة من موسم الجني، فما كان بالأمس مناسبة للتآزر والتطوع، أصبح اليوم في كثير من الحالات عملية فلاحية منظمة يحضر إليها العمال مقابل أجور محددة، ويغادرون بانتهاء المهمة، بينما تراجع شيئا ما، حضور العائلة الكبيرة والجيران، واختفت شيئاً فشيئاً تلك الدعوات التي كانت تمنح للجني طعمه الخاص.

عرس يبدأ من البيت ويتواصل في البستان

يستعيد السيد عبد الغني، أحد فلاحي منطقة طولقة ومن أبناء الجيل الذي عايش تلك الأيام، صورا لا تزال عالقة في ذاكرته، مؤكدًا أن جني التمور عندما كان صغيرا لم يكن يبدأ في البستان، بل قبل ذلك بأيام داخل البيت. كانت التحضيرات تنطلق مبكراً، ليس فقط لتوفير أدوات ومستلزمات الجني من قبل الرجال، وإنما أيضاً من قبل النساء لإعداد ما يكفي من الطعام والشراب لإكرام كل من سيشارك في هذا الموعد. ويقول عبد الغني إن والدته كانت تستعد لهذا “العرس” كما تستعد العائلات لمناسبة كبيرة، فتوفّر ما يلزم لتحضير الشخشوخة البسكرية أو أكلة العيش التقليدية، فيما تكون القهوة والكسرة الساخنة حاضرتين في الموعد.

وفي صباح الجني، كان يخرج رفقة أخيه الأكبر حاملين ما أعدته والدته إلى البستان، حيث يكون المشاركون قد سبقوهم إلى هناك، من أفراد العائلة والأقارب والجيران، وقد أخذ منهم العمل والتعب والجوع مأخذه، وبعد ساعات من الصعود إلى النخيل وقطع العراجين وجمع التمور، كانت قصعة الطعام تتحول إلى نقطة التقاء للجميع، يجلس أفراد العائلة الكبيرة في حلقات متقاربة، يأكلون من الإناء نفسه، ويتبادلون الأحاديث والضحكات، لتتحول استراحة الغذاء إلى مناسبة أخرى للتواصل وصلة الرحم.

ويستحضر عبد الغني عبارة والده التي كانت تختصر فلسفة ذلك الزمن: “العرس عرس الجميع”، فلم يكن أحد يشعر بأنه جاء لأداء خدمة لدى الآخر، وإنما كان الجميع يعتبر نفسه شريكاً في فرحة الموسم، ولذلك كان التطوع جزءاً من ثقافة اجتماعية راسخة، لا يحتاج إلى دعوة رسمية ولا إلى مقابل مالي.

الأهازيج التراثية تخفف التعب

أما الفلاح كامل بوستة، وهو فلاح سبعيني من الزاب الغربي ببسكرة، فيحتفظ من مواسم الجني القديمة بذاكرة لا تقل دفئا، فبالنسبة إليه، لم تكن البساتين صامتة في موسم التمور، بل كانت تستيقظ على أصوات الرجال وهم يعملون بين النخيل، تتخللها من حين إلى آخر أهازيج وأغانٍ تراثية يدندن بها متسلقو النخيل والقائمون على عملية الجني، كانت تلك الأهازيج، كما يقول، بمثابة طاقة إضافية تمنح العمال الحماس وتخفف عنهم مشقة العمل، خصوصاً عندما تمتد ساعات الجني ويشتد التعب، لم تكن الأغنية آنذاك مجرد تسلية، بل كانت جزءاً من طقوس العمل الجماعي، ووسيلة تجعل التعب أخف وطأة، وتمنح المكان جواً احتفالياً يعكس خصوصية المجتمع الواحي وعاداته وتقاليده، وكان من الممكن أن يبدأ صوت من أعلى نخلة، فيلتقطه آخر من بعيد، ثم تتعالى أصوات أخرى من بين صفوف النخيل، فيبدو البستان للحظات وكأنه مسرح مفتوح للأغنية والعمل معاً، لم تكن هناك مكبرات صوت ولا أجهزة لتوثيق اللحظة، لكن المشهد كان يُحفظ في الذاكرة بطريقة ربما كانت أعمق من كل الصور.

الأطفال… ضيوف لا يُستغنى عنهم

ولم يكن الأطفال غائبين عن تلك الصورة، بل كانوا من أكثر المتحمسين لقدوم موسم الجني بالرغم من أنه يتزامن مع الدخول المدرسي ولكنهم يحضرون بعد نهاية الدرس، وفي عطلة نهاية الأسبوع.

الطفل كان ينام بصعوبة ليلة انطلاق العملية، لأنه يعرف أن الغد ليس يوما عاديا، وأن عليه أن يستيقظ باكراً للذهاب إلى البستان، لم تكن مشاركته مرتبطة بقدرته على أداء العمل، فقد يكون دوره مجرد حمل شيء خفيف، أو جمع بعض التمور المتساقطة، أو مساعدة أحد أفراد العائلة، أو سقي الكبار الماء المنعش، لكن الأهم بالنسبة إليه أن يكون حاضراً، كان البستان بالنسبة إلى الطفل مدرسة مفتوحة، يتعلم فيه كيف يعتنى بالنخلة، وكيف تجمع ثمارها، وكيف يتعاون أفراد العائلة، وفي الوقت نفسه يكتشف عاداته وتقاليده من خلال الممارسة والمعايشة، لا من خلال الكتب والحكايات فقط، وكانت بعض العائلات تعرف أن موسم الجني فرصة نادرة لاجتماع أفرادها المتفرقين بين المدن والقرى، فيتحول البستان إلى مكان يلتقي فيه من غاب طويلاً، وتُستعاد فيه أخبار العائلة وذكريات الغائبين، بينما يتولى الكبار تعريف الصغار بأسماء النخيل وأصناف التمور وطرق العناية بها.

سألناه عما يحدث الآن؟ فقال الفلاح كامل بوستة مبتسماً: إن الشاب قد يذهب إلى البستان، لكنه قد ينشغل بهاتفه أكثر من انشغاله بالنخلة. وقد تتحول مشاركته إلى التقاط الصور ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، بدل أن تكون مشاركة فعلية في الجني. ويقول ساخراً إن حضوره يصبح أحياناً “بلا فائدة”، بل قد يتحول إلى مصدر إزعاج لمن يعملون، في صورة تختصر، بالنسبة إليه، المسافة التي أصبحت تفصل الجيل الجديد عن بعض تفاصيل الحياة الفلاحية القديمة ثم يتوقف ليقول: “لحسن الحظ مازال حب جني التمور يسكن القلوب”.

لم يكن جني التمور في بسكرة قديماً مجرد عمل فلاحي، بل كان مناسبة جماعية تتطلب جهداً وصبراً وتعاوناً، وكانت كل يد تجد لها دوراً، من أفراد العائلة والأقارب والجيران، الذين كانوا يتقاسمون مشقة العمل وفرحة الموسم دون انتظار مقابل، أما اليوم، فقد أصبح الاعتماد على العمال المأجورين أكثر حضوراً، بفعل اتساع البساتين وارتفاع حجم المحاصيل وتراجع ثقافة العمل التطوعي، فضلاً عن انشغالات الحياة الحديثة والعمل والدراسة.

وأصبح من الصعب أحياناً جمع أفراد العائلة الكبيرة في الموعد نفسه، فيستعين الفلاح بعمال متخصصين ينجزون عملية الجني بكفاءة وسرعة ثم يغادرون بانتهاء المهمة،كما فرضت المكننة ووسائل العمل الحديثة نفسها على الموسم، فساهمت في تخفيف الأعباء واختصار الوقت والجهد، وتحسين تنظيم عملية الجني والنقل والحفظ، وتقليل بعض المخاطر والمشقة التي كان يتحملها العمال قديماً، لذلك، لا يمكن اعتبار هذا التحول خسارة خالصة، فهو في جانب منه نتيجة طبيعية لتطور الفلاحة وتغير ظروف المعيشة، غير أن أبناء الجيل القديم يرون أن المشكلة ليست في المكننة ذاتها، وإنما في تراجع بعض القيم التي كانت تمنح موسم الجني خصوصيته، فدعوة القريب إلى البستان كانت تعني صلة رحم ولقاءً عائلياً وتبادلاً للحكايات والأهازيج والذكريات، وليس مجرد مساعدة في جمع التمور، وهكذا تغير موسم الجني كما تغير المجتمع نفسه، تراجعت الأهازيج، وانحسر التطوع، وقل حضور الأطفال، واختفت تدريجياً دعوات الأقارب والجيران، بينما بقيت النخلة شامخة في مكانها، وتغير فقط ما كان يحدث حولها.

وليس المطلوب العودة إلى أساليب الماضي أو رفض التكنولوجيا، وإنما الحفاظ على روح الموسم، فقد تتغير الأدوات،لكن يمكن أن تبقى فسحة للقاء العائلة، وطبق تقليدي تتقاسمه الأيدي، وأغنية قديمة وحكاية يرويها الكبار للصغار، فالنخلة لم تكن تمنح أهل الزيبان التمر وحده، بل كانت تمنحهم أيضاً فرصة للقاء والتعاون وصناعة الذاكرة.

مقالات ذات صلة