الرأي

جهل وغرور‮.. ‬وتطاول على‭ ‬كتاب الله

حمزة يدوغي
  • 2134
  • 0

ما أثقل منطق الاستكبار والعناد وما أسخفه عندما‮ ‬يكون ثمرة الفطرة الملوثة والجهل المركب‮!‬

إن صاحب هذا”المنطق‮” ‬لا‮ ‬يكفيه أن‮ ‬يذيع في‮ ‬الناس كفره وإلحاده،‮ ‬ولو اكتفى بذلك ما وجد عاقلا‮ ‬ينكر عليه هذا الكفر وهذا الإلحاد،‮ ‬فهو حر في‮ ‬معتقده،‮ ‬لكن جهله المركب وغروره‮ ‬يدفعانه دفعا إلى‭ ‬الإمعان في‮ “‬التميز والتفرد‮” ‬والبحث عن الشهرة الواسعة،‮ ‬فلا‮ ‬يجد من وسيلة إلى‭ ‬ذلك سوى‭ ‬التطاول على‭ ‬كتاب الله‮! ‬وهنا‮ ‬يصبح الرد عليه واجبا لا طمعا في‮”‬إقناعه‮”‬،‮ ‬ولكن لفضح جهله وتحصين النشء من أفكاره الضالة وأحكامه الخاطئة‮! ‬قال أحد هؤلاء”المستلبين‮” ‬وهو‮ ‬يستعرض مقدرته على‭ ‬النظر والتحليل والاستنباط والحكم‮: “‬إن القرآن بحكم طبيعته محدود‮ ‬غير قابل للتجدد،‮ ‬وليس هناك مناسبة دينية تؤكد ذلك بوضوح أحسن من شهر رمضان‮! ‬فالمتتبع لما‮ ‬يكتب في‮ ‬هذا الشهر ولما‮ ‬يلقى خلاله من دروس وما‮ ‬يقدم من أحاديث وما‮ ‬ينظم من ندوات ككل سنة‮ ‬يلاحظ أنها جميعا لا تكاد تخرج،‮ ‬ولا‮ ‬يمكنها أن تخرج عن جملة محدودة من الآيات وعدد مألوف من الأحاديث،‮ ‬كلها خاصة بشهر الصيام وكلها أصبحت محفوظة مكرورة‮!.. ‬فأي‮ ‬واعظ‮ ‬يتحدث مثلا عن هذا الشهر ولا‮ ‬يعيد على الأسماع الأية التي‮ ‬تقول‮ “‬يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على‭ ‬الذين من قبلكم لعلكم تتقون‮”‬،‮ ‬وأي‮ ‬مدرس‮ ‬يحدث الناس عن الصيام ولا‮ ‬يتعرض للحديث القدسي‮ “‬كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي‮ ‬وأنا أجزي‮ ‬به”؟‮! ‬إن هذه الأية وهذا الحديث‮ ‬يردان في‮ ‬كل درس وفي‮ ‬كل خطبة وفي‮ ‬كل حديث،‮ ‬وهذه الصورة الرتيبة تتكرر كل عام،‮ ‬وإن الإنسان العاقل ليتساءل أحيانا ماذا سيقول المسلمون في‮ ‬رمضان‮ .. ‬عن رمضان في‮ ‬المستقبل البعيد؟‮! ‬إن هذه الآيات وهذه الأحاديث قد شرحت وفسرت وأشبعت بحثا وتحليلا ودرسا،‮ ‬فكيف إذن،‮ ‬والحقيقة هذه،‮ ‬ننتظر من مدرس أو واعظ أن‮ ‬يأتي‮ ‬بجديد في‮ ‬هذا الموضوع مادام القرآن نفسه محدودا؟‮!”‬

إن الإنسان الذي‮ ‬يجد نفسه أمام هذا المنطق المتهافت لا‮ ‬يملك إلا أن‮ ‬يقول‮: ‬صدق الله العظيم،‮ “‬إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي‮ ‬في‮ ‬الصدور‮”!… ‬وإلا،‮ ‬كيف لكاتب ومثقف أن‮ ‬ينساق وراء هذا الفهم الساذج وتغيب عنه حقيقة لا‮ ‬يحتاج إدراكها إلى‭ ‬التبحر في‮ ‬علوم القرآن الكريم وتفاسيره؟‮!‬

إن الذي‮ ‬نستنتجه من هذا”الكلام‮” ‬أن المسلمين قد استنفذوا معاني‮ ‬آيات الصيام والأحاديث الخاصة به،‮ ‬وبعد زمان قد‮ ‬يطول أو‮ ‬يقصر‮ ‬يكونون قد استنفذوا معاني‮ ‬آيات الصلاة والزكاة والحج والأحاديث الخاصة بها،‮ ‬وهكذا حتى‮ ‬يأتي‮ ‬يوم لا‮ ‬يجد المسلمون فيه ما‮ ‬يقولونه لأن كل شيء حينئذ‮ ‬يكون قد أشبع‮ “‬درسا وشرحا وتحليلا‮” ‬كما قال‮!‬

جهل مفضوح بأكثر الحقائق الكلية وضوحا وبمفهوم الجديد والتجديد في‮ ‬التعامل مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم‮!‬

فمن منا لا‮ ‬يعرف ولا‮ ‬يحفظ وصف رسول الله للقرآن بأنه‮ “‬لا تنقضي‮ ‬عجائبه ولا‮ ‬يخلق عن كثرة الرد؟‮! ‬ومعنى ذلك أن لآيات القرآن الكريم وللأحاديث النبوية الشريفة معاني‮”‬جوهرية‮”‬يتفق جميع المسلمين على‭ ‬حد أدنى مشترك بينها في‮ ‬كل عصر وجيل،‮ ‬غير أن لهذه الآيات والأحاديث نفسها معاني‮ ‬أخرى خفية تتكشف بمقادير وهي‮ ‬تواكب حيوات الأفراد والجماعات والأمم في‮ ‬تقدمها وتقهقرها وفي‮ ‬رقيها وانحطاطها،‮ ‬وأما أمر هذه المعاني‮ ‬الخفية اللطيفة فإنه موكول إلى‭ ‬علماء المسلمين المتعاقبين الذين‮ ‬يتميز بعضهم عن بعض بمقدار ما‮ ‬يستخلصون من هذه المعاني‮ ‬نفسها من حقائق وأحكام وعبر،‮ ‬تناسب طبائع عصورهم وتلائم أوضاع بيئاتهم ومجتمعاتهم وتلبي‮ ‬اهتماماتهم وتطلعاتهم‮!.. ‬ولولا ذلك كله لما كان لتعدد تفاسير القرآن الكريم وشروح الحديث النبوي‮ ‬الشريف من معنى‮ ‬يذكر في‮ ‬عصر واحد،‮ ‬بل في‮ ‬جيل واحد وفي‮ ‬بيئة واحدة‮!‬

بمعنى أن القرآن الكريم الذي‮ ‬كان عمدة العلماء في‮ ‬عهد ازدهرت فيه علوم الفلسفة والمنطق مثلا وغلب فيه الجدل العقلي‮ ‬على‭ ‬غيره هو نفسه القرآن الذي‮ ‬ينطلق منه علماء آخرون في‮ ‬عصر آخر،‮ ‬سمة العلم الغالبة فيه مثلا هي‮ ‬الطب أو الفلك أو علوم الطبيعة،‮ ‬وهو نفسه الذي‮ ‬ينطلق منه علماء هذا العصر الذي‮ ‬تطورت فيه العلوم التجريبية والتكنولوجية والكشوف العلمية المختلفة التي‮ ‬كلما حققت انتصارا جديدا اتسع مجال الإعجاز العلمي‮ ‬في‮ ‬القرآن الكريم والحديث النبوي‮ ‬الشريف‮!‬

فمقاييس الابتكار والتجديد تلتمس إذن عند من‮ ‬يتفاعلون مع الآيات والأحاديث‮ “‬ليكيفوها‮” ‬مع واقعهم المتميز،‮ ‬المتجدد،‮ ‬مهما‮ ‬يكن هذا التميز وهذا التعدد،‮ ‬لأن الإسلام هو الحياة والحياة لا تتجزأ،‮ ‬وهو‮ ‬يخاطب الإنسان في‮ ‬كل زمان ومكان‮ “‬بمنطق ضمني‮” ‬لذلك الزمان وذلك المكان‮! ‬والخلاصة أن العالم الحق أو الواعظ المقتدر‮ ‬يستطيع أن‮ ‬ينطلق في‮ ‬حديثه من أية أو حديث قد‮ ‬يبدو معناه محدودا في‮ ‬المجال أو أنه‮ ‬غير ذي‮ ‬صلة واضحة بالواقع الذي‮ ‬يعيشه،‮ ‬لكن هذا العالم أو هذا الواعظ‮ ‬يخلص في‮ ‬النهاية إلى‭ ‬ذلك الواقع نفسه بكل أبعاده وخصوصياته ومناخه،‮ ‬وكأن تلك الأية إنما نزلت فيه أو أن ذلك الحديث إنما قيل فيه‮! ‬هذه الحقيقة القرآنية هي‮ ‬التي‮ ‬عبّر عنها المرحوم محمد البشير الإبراهيمي‮ ‬في‮ ‬إيجاز معجز عندما قال”القرآن لا‮ ‬يفسره إلا لسانان لسان العرب ولسان الزمان‮..!”‬

ولنأخذ الآن لهذا كله مثالا قريبا‮ ‬يوضحه،‮ ‬وليكن من تراثنا الجزائري‮ ‬الحديث‮!‬

قال الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله،‮ ‬بعد الفراغ‮ ‬من تفسيره لهذه الآية‮:‬‭ ‬‮”‬حتى إذا أتوا على‭ ‬وادي‮ ‬النمل قالت نملة‮ ‬يا أيه النمل ادخلوا مساكنكم لا‮ ‬يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا‮ ‬يعلمون‮”‬،‮ “‬هذه نملة وفت لقومها وأدت نحوهم واجبها،‮ ‬فكيف بالإنسان،‮ ‬العاقل فيما‮ ‬يجب عليه نحو قومه‮! ‬هذه عظة بالغة لمن لا‮ ‬يهتم بأمور قومه ولا‮ ‬يؤدي‮ ‬الواجب نحوهم ولمن‮ ‬يرى‭ ‬الخطر داهما لقومه فيسكت ويتعامى،‮ ‬ولمن‮ ‬يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم‮!‬

آه ما أحوجنا‮ – ‬معشر المسلمين‮ – ‬إلى‭ ‬أمثال هذه النملة‮!”‬

فانظر إليه كيف استخلص من هذه الآية الكريمة ذات المعنى‭ ‬المحدود في‮ ‬الظاهر،‮ ‬ما‮ ‬يستجيب لأولوية الأولويات التي‮ ‬كان‮ ‬يمليها عليه واقع أمته ووطنه،‮ ‬ألا وهي‮ ‬تحريك الهمم واستنفارها وإعداد الجيل لتحرير الجزائر‮!‬

وانظر إليه كذلك عندما فرغ‮ ‬من شرحه لحديث نفث الريق‮ “‬بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا‮”: ‬يقول ذوو المنازع الوطنية ولو كانوا‮ ‬يدينون بالوثنية‮:‬‭ ‬آمنا بأن محمدا رسول اللهَ‮ ‬فقد علّم الناس من قبل أربعة عشر قرنا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه تشفي‮ ‬من القروح والجروح ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدا من المحبة والإخلاص‮! ‬فقد كانوا‮ ‬يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي‮ ‬وتروي،‮ ‬فجاءهم من علم النبوة أنها تشفي‮! ‬فليس هذا الحديث إرشادا لمعنى طبي‮ ‬ولكنه درس في‮ ‬الوطنية عظيم‮! ..‬فليس السر في‮”‬تربة وريق ومرض‮” ‬ولكن السر في‮ “‬أرضنا وبعضنا ومريضنا‮!”.‬

مقالات ذات صلة