-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جوانب “خفية” من التراث الروحي الأمازيغي!

حمزة يدوغي
  • 2975
  • 17
جوانب “خفية” من التراث الروحي الأمازيغي!

كنت أستمع باهتمام كبير إلى ذلك الشيخ في إحدى قرى منطقة القبائل وهو يقدم تفسيرا طريفا رائعا لظاهرة اسمية منتشرة في تلك المنطقة، فقال: إن حب أهل هذه المنطقة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جعلهم يقرنون اسمه الشريف ببعض الأسماء التي يطلقونها على المولود الجديد؛ تيمّنا وتبرّكا، ولكنهم- من إعظامهم وتقديرهم له صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لا يطلقون اسمه كاملا، فلا يقولون “محمد” ولكن يقولون “محند” هكذا بالنون بدلا من الميم؛ وهذا سر شيوع هذه الظاهرة الاسمية في هذه المنطقة؛ فيقولون مثلا محند الوناس ومحند أويذير ومحند العيد وما إلى ذلك!

ثم راح يتحدث بتفصيل جذاب وممتع عن عادات أهل القبائل في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف! كلام ذلك الشيخ جعلني أفكر في الكنوز التي يزخر بها تراث الجزائر الديني المعبر عنه باللسان الأمازيغي الذي لم يحظ بعد بما يستحقه من العناية والاهتمام، خصوصا ما يتمثل منه في المدائح الدينية المختلفة التي نظمها الشعراء في مدح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وفي مناجاته، وكذا في التبرك بأولياء الله الصالحين وذكر كراماتهم وأفضالهم على الأمة بهدايتها إلى دينها!

إن حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد تغلغلكما نعلم جميعافي نفوس الجزائريين منذ الفتح الإسلامي الأول وأصبح هذا الحب يتجلى في مختلف مجالات حياتهم سواء في سلوكهم الفردي أم الجماعي وكذا في معجمهم اللفظي المتداول بينهم في المواسم والأعياد وفي تقاليد الأسرة وعاداتها!

إن الشاعر المداح الذي عبر عن هذه الروح الدينية الأصيلة يعتبره أهل هذه المنطقة ضمير الجماعة وعنوان ذاكرتها ومغذي مخزونها الشريف الذي يعكس عمق إيمانها وسلامة فطرتها وصحة وجدانها!

ولقد برز من الشعراء الدينيين الناطقين باللسان الأمازيغي من أغنوا هذا التراث، قدوتهم في ذلك من أنجبتهم هذه المنطقة من العلماء الربانيين الملهمين الذين كانوا يصوغون ما يرد عليهم من النفحات الإلهية والإشراقات والإشارات في قوالب شعرية يتناقلها الناس شفاهة جيلا عن جيل لتثير كوامن الوجدان وتحركعلى مر العصورسواكن الأشجان!

إن من حق الأجيال الناشئة على الباحثن المختصين في هذا المجال أن يبرزوا هذا التراث الروحي الإسلامي الأصيل لتجدد صلتها به وتقدره حق قدره وتعزز به مرجعيتها الدينية والثقافية والحضارية وتتأكد من أن سر تماسك المجتمع الجزائري إنما هو الإسلام الذي جعل منه نموذجا رائدا للمجتمع الإسلامي القائم على تنوع النسيج اللغوي والثقافي والاجتماعي في إطار وحدة دينية ووطنية جامعة!

ومن الحقائق التاريخية التي تجدر الإشارة إليها بهذا الصدد أن التراث الأمازيغي لا يعكس سوى روح الإسلام عقيدة وشريعة وقيما ومثلا وآدابا، بمعنى أن الباحث في هذا التراث لا يجد فيهمثلاأثرا أمازيغيا مسيحيا، وأما ما قد يوجد من آثار مسيحية فإنه ليس آثارا أمازيغيةكما يؤكد الباحثونوإنما هي آثار رومانية تعود إلى الأمس البعيد أو هي آثار فرنسية تعود إلى الأمس القريب!

والذي يفسر هذه الحقيقة التاريخية هو أن الأمازيغ كانوا دائما متمسكين باستقلالهم أشد التمسك متشبثين بشخصيتهم، وكانوالذلكينفرون من كل ما ليس له علاقة بهم؛ وعندما يقعون تحت سيطرة الأجنبي فإنهم ينطوون على أنفسهم ويحافظون على تميزهم، إلى أن جاء الإسلام واعتنقوه عن اقتناع ورضوا به عقيدة وشريعة وعضوا عليه بالنواجذ لأنفهم وجدوا فيه ما يوافق فطرتهم وقيمهم وينسجم مع روحهم الاستقلالي ونظرتهم إلى الحياة؛ مجسدين إياه في واقع حياتهم واغتنى به تراثهم المادي والروحي، فامتزجت لغة القرآن الكريم بمعجمهم اللفظي الأمازيغي الذي أصبح منذ الفتح الإسلامي يعكس مضمون هذا التراث الغني!

لذلك كان أول مجال خصب للبحث عما يؤكد هذا البعث الروحي في التراث الأمازيغي هو مجال اللغة الأمازيغية بمختلف لهجاتها؛ فهناك من الباحثين من رصد الألفاظ الأجنبية التي امتزجت الأمازيغية بفعل الاحتكام المباشر  كالأفاظ التركية والإسبانية والفرنسية وبطبيعة الحال اللغة العربية، وهؤلاء الباحثون يؤكدون أن البحث في مختلف اللهجات الأمازيغية يفضي إلى حقيقية لا مجال للشك فيها وهي أننا لا نجد إشارة واحدة لها علاقة بالديانة المسيحية؛ فالتراث الأمازيغي مصبوغ كله بالصبغة الإسلامية!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
17
  • نورالدين

    البوصيري نعم أصله من القبائل : صنهاج و لكنه ولد في قرية بني سويف قرية : بوصير في صعيد مصر و توفي 1295 م في السكندرية . حياته تشبه كثيرا مفتي مصر الحالي : علي جمعة أصله من بلاد القبائل الكبرى .

  • أنيس أبو الليل

    هي حقيقة تمشي برجليها على الأرض و ليس اعتقادا كفى تغبية و ضحكا على الذقون

  • أنيس أبو الليل

    روح خرجها من الجامعة العربية إلا قدرت

  • بدون اسم

    rouh bedel asmha ila 9dert ou bedel leplasa enta3ha reje3ha fi .l'asie

  • أنيس أبو الليل

    الجزائر عربية الأصل و الهوية و اللسان و لا تنجر إلى حملات التشكيك في هويتها من قبل بعض الزمر التي باعت ضميرها رخيصا لباريس

  • tigherghar

    لصاحب التعليق رقم واحد بعد السلام :أليس لتهميش اللغة والثقافة الأمازيغية المتعمد والإكراه الذي مورس على الأمازيغ بمختلف أشكاله هو الذي أدى بإخواننا في القبائل إلى هذا التوجه على أقليته وعلينا أن نوجه اللوم كل اللوم إلى الذين زورو التاريخ ولازالو خدمة لأسيادهم ويتجاهلون الخصوصية الجزائرية بتنوعها

  • أنيس أبو الليل

    الجزائر عربية يا ابن فرنسا و إسرائيل

  • رضوان

    مقالة رائعةومضوع جدير بالاهتمام والبحث ردا علي المنهزمين المنبهرين بالغرب ،حياك الله وبياك وجعل الحنة مثواك ومزيدا من البحث والتعريف بالتراث الامازيغي خاصة إذا أمكن ترجمته لمزيد من الافادة.

  • بدون اسم

    لا شرقية ولا غربية الجزائر جزائرية ليس كما تريد انت

  • Marjolaine

    أحقا صاحب تلك القصائد العذبة التي نشأتُ عليها تتردد على مسامعي وتسحرني بكلماتها وألحانها الشجية كلما هلت تباشير ربيع الأول ولد على هذه الأرض الطيبة؟
    شكرا جزيلا على المعلومة.

  • الجيلالي سرايري

    وهل نسيت ان أكبر واشهر مادحي رسول الله صلى الله عليه وسلم امازيغي من دلس وهو الامام البصيري رحمه الله صاحب البردة والهمزية في مدح خير البرية

  • أمازيغية

    مقال جيد,,,من حيث اختيار الموضوع,حيث انه أعطى نظرة مخالفة لما يعتقده الاخرون بالامازيغ,,وهو ما ذكره صاحب التعليق رقم 2,,,شكرا لصاحب المقال,

  • mohamed

    موضوع مهم جدا يستوجب الكثير من البحث والتحليل البناء

  • بدون اسم

    يعني إما العلمانية القاسية أو التبرك بالأولياء الصالحين الأموات والخرافة...
    الله يهديكم

  • عبد الله

    أنا ما أرى على الساحه يوجد من يريد أن تكون الامازيغيه مشبعه بالثقافه الغربيه و مرتبطه باللغه الفرنسيه حتى تظهر على شكل ثقافه مستقله عن العرب ..و يوجد من يريد أن يلحق الأمازيغ بالعرب في كتاباته و خطاباته بحيث تذوب الامازيغيه في القوميه العربيه ..و أنا برأيي كما أنا عربي أبقى عربيا بانتسابي فان الأمازيغي يبقى أمازيغيا حرا بانتسابه و ما يجمعنا هو الدين و الأرض و الوطن و الله تعالى قال **و جعلناكم شعوبا و قبائلا لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم ** و اللغه العربيه ليست دليل انتماء الامازيغ للعرب

  • أنيس أبو الليل

    و لكن النخب الفكرية و السياسية القبائلية هي في خصام مع هذا الموروث الذي تتحدث عنه و تريد إماتته و إهالة تراب النسيان عليه و هي تقود الآن قاطرة القبائل نحو الصهينة و الغربنة قبائل اليوم في مجملهم خونة لأسلافهم يتقربون زلفى لباريس و تل الربيع ( تل أبيب )

  • Smail

    Merci mais c'est vraiment pas objectif ce que vous racontez