الرأي

جولة في ذاكرة قرية “مضرونت” الأوراسية

لمباركية نوّار
  • 123
  • 0

هناك وجه شبه يجمع المدن والقرى مع الأمم وبني البشر من حيث جملة من المشتركات تظهرها لمّا تستنطق. فهي الأخرى ذات أمجاد تفاخر بها، وتمتلك أثالة للتباهي وأصالة تمتطيتها وتزهو بها زهو الكبر والخيّلاء. وتسطّر بها سطور ماضيها المشرق في أزمانها المندثرة. ومن حيث هذا الجانب، لم تتدحرج قرية “مضرونت” الأوراسية العتيقة إلى جهة المخالفة، ولم تعاكس شقيقاتها الأخريات، ورأت أن تقاسمها الإحساس والخواطر.

هي قرية أوراسية حكمت على نفسها بالانزواء في الأقاصي، والاختفاء بعيدا عن الأنظار، وأصبحت العين لا تقع عليها إلا من بعد الدّنو منها. واختارت لنفسها مكانا عليّا، ولولا شدة انحدار المرتفع الذي جاورته لما تراجعت عن المسك بحجارته المائلة وتسلقه. وأما الفجاج الموصلة إليها، ورغم التصليحات التي فازت بها لتكون ذلولة، إلا أنها ماتزال شاقة وموهنة. وفي يوم رحيلنا لزيارتها، سال عرق غزير من مسام جلودنا حتى جعل جباهنا برّاقة لامعة، ولم تتوقف عجلات السيارة التي ركبناها من النط على أجزاء الحجارة الناتئة نطا أزعجنا وأيقظ فينا الأوجاع النائمة. وبعد انسداد الطريق التي قطعنا منها أشواطا طويلة في وجوهنا، أرغمنا على قطع شطرها الأخير مشيا على الأقدام والاعياء والنّصب ينهشان عضلات أرجلنا، ومخاطر أكوام التراب والحفر تهدد أقدامنا، والتمايل يتلاعب بأجسامنا.

تعرف في اللغة العربية باسم: “مدرونَة”. وأما في اللّهجة المحلية الشّاوية، فتسمّى: “مدرونت” أو “مضرونت”. وتفيد بعض الرّوايات المتناقلة أن اسمها مستنسخ من اسم “ندرونة” التلمسانية ذات التاريخ المشهود بعد أن سرى القلب في حرفين من حروفها بقصد التفريق بينهما مع إبقاء صلة الرحم اللغوية كحلقة وصل ممدودة بين الاسمين. وتدعم الاستدلالات التي سمعتها هذا الرأي لمّا تقرّ أن مؤسسي قرية “مدرونة” جاؤوا مهاجرين من غرب الجزائر، واستوطنوا الأوراس حين وجدوا فيه طيب العيش الرغيد والراحة التي وفّرتها سكينة الموقع وهناء البال. وسكنوا قرية “حيدوس”، أولا، ثم زحفوا نحو المكان الذي اختاروه متوافقين عليه بعد معاينات ومقارنات. وأطلقوا حركة اجتماعية إصلاحية طارت أخبارها بين النّاس، واجتمع سكان كل القرى المجاورة تحت لوائها، وانخرطوا فيها لبناء مجد محلّي يستحق أن يُروى.

لما أرادت “مدرونت” أن تحافظ على سر منبعها وأصلها مع طول الأيام، لم تسمح لقواعد اللهجة الشاوية أن تمحوه. وإن كان الاسم المؤنث في هذه اللهجة يفتتح بحرف “الألف” أو بحرف “الثاء” أو بحرف “الهاء”، فإنها رفضت الوقوع تحت طائلة هذه القاعدة الصّرفية الملزمة لما فيها من نصيب تمييزي، وقاومتها بقوة، ولم تستسلم أو تخضع لها.

رغم فعل عاديات الزّمن ومكر الإنسان التي فرضت على سكانها الهجرة القسرية وما تبعها من هدم وتخريب للبنيان والعمران وللبساتين حتى تغيّرت سحنات تضاريسها، إلا أن آثار مناظرها الخلابة ما تزال تغري الأعين بالتحديق وتهز لباب القلوب هزّا مغريا. وأما في الزمن الغابر، فقذ كانت تشكل قطعة طبيعية خارقة يعجز القلم عن وصف جمالها. وكان الوادي الذي يقطعها ويمزقها إلى شطرين يسقي جناناتها الغنية بكل أصناف القواكه، نظرا لما تخرجه أرضها السخية، وما تنتجه من خيرات شبيهة بما تجود به غوطات أرض الشام من ثمار شهية وغلال لذيذة. ولا عجب، إن دعوها في زمنها الجميل باسم: “الشام الصغرى”.

تأسست قرية “حيدوس” الشقيقة الكبرى لقرية “مضرونت” من طرف الشيخ سيدي الهاشمي المنتمي إلى عائلة آل دردور المعروفة، وذات المكانة الرّفيعة حضورا ووجاهة لعدة قرون، وما تزال. وجعلها تاريخها البعيد من أقدم القرى في الأوراس الجنوبي الغربي. وهناك من يضعها في مرتبة أم الدّشور (جمع دشرة) ونواتها الأولى بفضل ما توفّر فيها من ظروف العيش الآمن ومن موارد متنوّعة تغطي حياة قاطنيها وتضمن لهم الاكتفاء الذاتي الذي يحفظهم من مدّ أيديهم إلى الآخرين حتى في سنوات القحط العجاف وفي أوقات الجفاف. ومنها انطلق الشيخ سيدي الهاشمي دردور في تأسيس شقيقات لها من القرى العامرة وإنشاء الزوايا حتى بلغ قرية “نارة”، ولمّا داهمه المرض فيها، وعجله الموت في أرضها سنة 1899م، أعيد جثمانه لدفنه في تربة قرية “مضرونت” الدّافئة.

في شبابه، كان الشيخ سيدي الهاشمي صاحب العزم شغوفا بالترحال والضرب في مسارح الأرض، وقصد بيت الله الحرام مشيا على الأقدام، ومكث فترة في مصر حين عودته، ونهل ما تيسّر له من علم علمائها، وأخذ عن شيوخ الطريقة السّنوسية، وارتشف من رحيق حكمتهم كل ما وجد فيه فائدة لتكوين المريدين، وخاصة في الجانب الاجتماعي والمهني، وبالقدر الذي يجعلهم منتجين نافعين ومنتفعين، ومعوّلين في كسب خبز عيشهم على ما تنتجه مهارة أيديهم من بعد وضعها في عجين الشغل ومزاولة الحرف أو الانغماس في التجارة التي درّبهم على أسرارها بعد أن يقرضهم من عنده لحظة الانطلاق. وله في هذا الشأن مواقف وطرائف مع مريديه لا يتسع المجال لذكر بعض منها.

بعد أخذه الإذن من شيخه الثائر سيدي عبد الحفيظ الخنقي المعروف، أنشأ زاويته الرّحمانية التي طعمّها ببعض مبادئ وقواعد الطريقة السّنوسية، واجتمع حوله أتباع كثر جاؤوها من أمكنة متفرّقة ممّا جعل قرية “مضرونت” تحت عين الرّقيب الفرنسي وحراسة أعين المخبرين المدسوسين. ولما انتفض الشيخ سيدي عبد الحفيظ الخنقي، وقف إلى جانبه مدعّما ومناصرا ومقاوما. وبعد إلقاء القبض عليه، نفي إلى جزيرة “كورسيكا” لمدة زادت عن عشر سنوات. وباشر نشاطه المناهض لفرنسا من جديد بعد إطلاق سراحه، والتحريض على الثورة ضدّها. وسيق، ثانية، إلى زنزانات سجن “تازولت” الرّهيب سجينا، ولم يغادره إلا بكفالة مالية كبيرة دفعها كغرامة.

وفي المقابل، حافظ الشيخ علي دردور (توفي في سنة 1935م) على الجوانب النشاطية العادية الأخرى للزّاوية التي تتمثل في إطعام الطّعام وإيواء الفقراء والمحتاجين والأرامل والأيتام والمطلّقات وعابري السبيل، وتحفيظ القرآن الكريم، والقيام بالتّطبيب التقليدي الذي برع فيه لمعالجة المرضى والمصابين. وعقب وفاتة، خلفه نسيبه أخ زوجته سيدي عمّار. وبعده، توّلت زوجته السيّدة لالة عزيزة شؤون الزاوية، ونصّبت نفسها راعية لأمورها، وخدمتها بكل اقتدار وجدارة. وحافظت على عهود سابقيها. ولمّا أحست باقتراب أجلها في حدود سنة 1958م، نادت سيدي البشير والد الصديق العزيز الدكتور عبد الباسط دردور الذي وقع اختيارها عليه، وكلّفته حمل الأمانة وألزمته القيام بالواجب، وأوصته إبقاء باب الزاوية مفتوحا أمام كل من يقصدها مهما ضاقت الظروف وأدجنت الأيام. ورغم أنه أظهر، في البدء، تهيبا نظرا لعظمة المسؤولية، إلا أنه قبلها، ولم يقصر ولم يتقاعس في خدمة روّاد الزاوية في السّراء والضّراء. ولم يغادر الزاوية إلا بعد أن اشتد تعسّر الأحوال في تسعينيات القرن الماضي، وأصبحت لا تطاق. وهو يبارحها لآخر مرة مضطرا، أبقى أبوابها مفتوحة عملا بوصية المرأة الطاهرة السيدة لالة عزيزة، وسار مع بعض المريدات المتخلّفات صوب منزله في “تازولت” وفي العيون دمعات حارقة للجفون.

خرّجت زاوية “مضرونت”، عبر سنوات نشاطها، رجالا سطعت أسماؤهم محلّا ووطنيا وعالميا، ومنهم الشيخ عمر دردور الملقّب بـ: “ابن باديس الأوراس” صاحب فكرة التعليم الدّيني والمعاهد الإسلامية التي غدر بها.

لا يمكن أن نسقط من سجّل زاوية “مضرونت” اسم الشيخ المربي المجاهد محمد الهاشمي دردور، رحمه الله، صاحب الأعمال الجليلة التي لا تنسى إبان ثورة التحرير. إذ أنه كان من السباقين للتحضير لها ماديا ومعنويا بنشر الوعي قبل انطلاقتها، وتجنيد من يثق فيهم تجنيدا نفسيا حتى يكونوا على أهبة الاستعداد للمشاركة فيها. وقد امتلك هذا التوجه قبل الثورة بعدة سنوات لمّا التقى المجاهد الحاج لخضر عبيدي في الأراضي المقدّسة، وتذاكرا معا في الموضوع بجد، وتعاهدا أن يبقيا على تواصل وتنسيق.

احتضنت الزاوية مركزا لإيواء مجاهدي الثورة وتقديم المدد لهم وتوفير ظروف الرّاحة للمتعبين منهم. ولما كان يحسن التفكير، فقد غيّر حتى المسالك المؤدية إلى الزاوية، وأفرد ممرّات خاصة بالمجاهدين للرّفع من درجة حمايتهم والمحافظة على أرواحهم. وبمجرد أن أيقنت الإدارة الفرنسية من انحيازه للثورة، حاولت التّقرب منه واستمالته وكسبه إلى صفّها، وظل يجاريها ويسايرها في فطنة وحذر. وتوصّل الأمر بها أن اقترحت عليه تعبيد الطريق المؤدية إلى الزاوية لغرض أخفته. ولم تكن الحيلة الماكرة تنطلي عليه، فردّ عليها طلبها متذرعا بذرائع أحسن حبكتها لرفض مقترحها الذي كانت تخفي خلفه شرا مستطيرا.

في سنة 1956م، وإثر وشاية غادرة، ألقي القبض على المجاهد محمد الهاشمي دردور، ودمّر مركز المجاهدين المنصوب في وسط بناءات الزاوية، ولحقته مشقة تعذيب نفسي وجسدي لا يعلم مداها إلا الله.

مقالات ذات صلة