نـِصـفُ خـبـر
جُمجـُمـة .. وعظـْمـتـان مُـتـقـاطـعـتـان!
- رغم الشك الذي يظـل يساورني في نية فرنسا المبيتة بطمس معالم 19 مارس وإقناعـِنـا بالتأريـخ لخروجها من الجزائر صاغرة ذليلة بنفسِ يوم غزوها لبلادنا في الخامس من جويلية، إلا أنني أستحضرُ الآنَ ونحنُ على مـقربة من “عيد الاستقلال والشباب” شعـورَ آبائنا وهم ينتظرون في مثل هذه الأيام اليومَ الموعودَ لبزوغ فجر استعادةِ السيادة الوطنية عام 1962 م، والذي تم ترسيمُه في ما بعـدُ باسم الشباب عيداً صاخباً حتى مطلع الفجر! أستحضرُ الآن هذا الشعـور فأغبط ُ الإعلامي المؤرخ الأستاذ محمد عباس وهو يفتحُ أمامنا كل مرةٍ صفحة ًمن صفحات تاريخ الجزائر المجـيد، أي نعم أغبطـُه، لأنهـمْ ــ ولا أعرفُ أسماءَهمْ ولا وجوههمْ ولا ملامِحَهمْ ــ عـودونا منذ المرحلة الابتدائية أن لا نقـتربَ كثيراً من تاريخنا حتى لا نحترق، وصوروا لنا شظايا التاريخ بأفضعَ من حرائق روما وهيروشيما وناجازاكي وتشيرنوبيل، فـنشأ في بلادنا جيلٌ يخشى التاريخ كخِشيةِ الله أو أشد خشية! وفي الوقتِ الذي يحفظ ُ فيه المواطنُ الفرنسي عن ظهر قلب ٍنشيدَ بلاده الذي يتكرر في لازمته مقطع دموي إرهابي يحرض على العنف، ويدعو إلى سفك الدماء، ويتناقضُ مع شعاراتِ فرنسا الرنانة الداعية إلى الحرية والمـسـاواة والأخـوة، تـجدُ قـلة قليلة من الجزائريين يحفظونَ نشيدَ وطنهم الذي ينضحُ بأسمى معاني ثورة الإنسان ضد الظلم والقهر والاستعباد، وتطلعه المشروع إلى الحرية والمجد والسؤدد، ولـَكـَمْ يسوءني أن القلة مـن شباب الجزائـر ــ الذين سُمـي هذا الـعيدُ باسمهم ــ يحفـظون نشـيدهـم الخـالد المتفرد “قسماً”، ولكم يؤسفني أن يُضطر الشيخ سعدان إلى أن يدعـوَ من جنوب إفريقيا إلى ترجمة النشيد الوطني لبعض لاعبينا “القادمين من المريخ” حتى يتمكنوا من فهمه وحفظه، ولا تزالُ طائفـة ٌمن أبناء بلدنـا تأبى أن تـُبرمِجَ في ذاكرتها المقطعَ الثالثَ الذي يتوعـدُ فرنسا بيـوم الحساب، بينما ودتْ طائفة أخرى لو حـُـــذفَ المقــطع الــذي أعــطـــى فــيه مفــدي زكـريا العهــدَ لجـبهة التحـريــر “التاريخية” بالنيابةِ عنا حتى تعقـدَ العزم أن تحيا الجزائر! أغبط ُ الأستاذ عباس لأنه يناوشُ حرائقَ التاريخ ويواجهُها بمهارةِ رجل إطفاء متمرسٍ، حتى لكأنني أتخيله يرتدي سـُترة مضادة للنيران تشبه تلك التي يظهر بـها رواد الفضاء وهم يسبحون عكسَ الجاذبية، ويسيرونَ ضد التيار، وسنظـل نتذكرُ كيف أنـار وما يزال ينير بشجاعةِ مؤرخ منصفٍ زوايا مظلمة من تاريخنا، ومن بين هذه الزوايا التي أثارها فأنارها وأزال عتمتها موضوعَ أول خطـوةٍ قام بـها “حزبُ فرنسا” في الجزائر غداة رحيل الزعيم هواري بومدين حين قــررَ غـلاظ ٌشدادٌ، لا يعصون فرنسا ما تأمرُهم به، أن يعيدوا النظر في النشيد الوطني وأن يفتحوا نقاشاً غير بريءٍ من حوله… ثم كيف أسـقـِط َ في يد أصحابِ الخطوةِ الآثمـة حين تصدى رجالٌ، صـدقوا ما عاهدوا الله عليه، لهذه المحاولة فأفشلوها وأبطـلوا مـفعـولها يومئذٍ بقـرار الرئيس الشـاذلي بن جـديد ترسيـمَ النشيد الوطـني “قـسماً” عقِبَ محاولةِ تمرير مشروع قانون يُحـذفُ بموجـبه المقطع الثالث من النشيد، وهـاهـو اليوم ــ بعد مرور قرابة ربع قرن على تلك المحاولة الآثمـة ــ يُرسم نهائياً بنص المادة الخامسة من الدستور الحالي الذي يَعتبر العـَلَـم والنشيد مكسبيْن من مكاسب الثورة، ورمزيـن من رموز الجمهورية، وآيتيْن من آياتِ الوطـن، لا يتغيران بموتِ أحدٍ ولا بحياته! ومع أن هؤلاء الرجال الصادقين المخلصينَ لم يتمكنوا من إفشال مخططِ ربْـطِ ذكرى استرجاع السيادة الوطنية بعيد الشباب ))رغم النية المفضوحة في إفراغ هذه المناسبة الخالدة من محتواها، بتذويب معنى ذكرى الاستقلال في المعاني الصاخبة لعيد الشباب، مع أن لشبابنا ـ والحمد لله ــ عيداً سـنوياً يحـتفلون به في الثامن من مــارس كـل عام، كانَ من الأجـدَر تـرسـيمُه ــ من باب المساواةِ بين الجنسين ــ عيداً للشباب والشابات! (( إلا أن حزبَ فرنسا لم يستطعْ أن يمحُـوَ من ذاكرة الجزائريين المخلصين ذكـرى مولدهم الثاني، ولم يتمكنْ من أنْ ينزعَ الراياتِ الوطنية التي نزينُ بها شرفاتنا عند حلول موعد هذه المناسبة الخالدة كل عام، ولذلك لم ييأسْ هذا الحزبُ اللقيـط ــ كما يقول مؤرخ منصفٌ ــ فعمد إلى اختبار ردة فِعل ما تبقى من هـؤلاء الرجال، إذِ امـتدتْ يـدُه الشلاء إلى مناهج التربية فحاولتْ أن تـُسقط مقـطع “يا فرنسا قد مـضى وقت العتـابْ”، وحين انكشفَ أمرُها ادعـتْ أنه سقط سهواً، وأضـافتْ إلى الثلاثةِ الذيـن رُفع عنهم القلمُ منْ يسهـو حتى يتذكـر، فصـار الذيـنَ رُفـِعَ عنهم القلمُ ثلاثة ًرابعـُهـُمْ يشبه رابع أهل الكهـف! إن فتحَ بابِ التاريخ في بلادِنا أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر، والاقترابَ منه مساس ٌ بخط أحمر يسهَرُ عليه من لا أسماءَ لهم ولا وجوهَ ولا ملامح .. ومثلما يُعَـلِـقُ الجزائريون حـُدوةَ حصان على مداخـل دورهم ومنازلهم، فإن بوابة التاريخ في الجزائر معلـقٌ عليها جمجمة وعظمتان متقاطعتان، وبالتالي فإن تناولَ قضايا التاريخ، وبالأخص ما يرتبط منها بفرنسا أو أذنابها في بلادنا وخارجها أمـرٌ دونـه خـَرْط القـَتـاد، ووحـدَهُ من يعرفُ معنى خرط القتـاد هو من يتجرأ على تحطيم الجمجمة وعظماتـِها والنفاذِ إلى التاريخ، والأستاذ محمد عباس في مقدمة هذه الفئة القليلة. ومع احترامي وإكباري لرفض الأستاذ عباس أن يشاركَه الفرنسيون كتابة تاريخ ثورتنا المجيدة، فإنني أستسمحُه في أن أرفع القبعة ــ بالتعبير الفرنسي للكلمة ــ احتراماً للمؤرخ اليهودي الأصل، الجزائري المولـد، الفرنـسي الجنسية: بنيامين ستورا الذي دعا مؤخـراً ـ في الجزائر ـ إلى ضرورة البحث في تاريخ الإمام ابن باديس، وإبراز دوره المشهود في نشر التعليم، وبث الروح الوطنية من خلال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت سنداً لأحزاب الحركة الوطنية في التمهيد للثورة التحريرية الكبرى، في الوقتِ الذي تعملُ فيه أذيالُ فرنسا الاستعمارية دون كلل أو ملل في طمس مجهودِ رجُـلٍ مَعـْلـَم خالدٍ ليس كأحدٍ من الرجال.. رجـل أقالَ الأمة من عثرةٍ، ونهضَ بها منْ كـَبـْوةٍ، وأيقظها من سباتٍ، وكسَـرَ الجمجمة ورمى بعظامها لرابـع أهـل الكهـف! * فاصل قصير: يتكرر في لازمة Refrain النشيد الوطني الفرنسي المارسييز المقطع الدموي القائل “إلى السلاح أيها المواطنون، شكلوا سراياكم وسيروا، ولـْـيـَسـْـق الدم غير النقي أخاديدنا… ” بينما تتكرر لازمة النشيد الوطني الجزائري على النحو التالي: وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا … وشـتان ما بين من يدعـو إلى الموت ومن يهتـِفُ بالحياة!
- سـُليمان بخليلي souleymen@maktoob.com