حبّة و”الحبّوبة”!
دأبنا على مدار عقود، على أن نجلد الدولة بكل ما أوتينا من قوة من دون رأفة، ولا حتى الاستماع إلى مرافعات دفاعها عن نفسها، فوصفناها بقاموس من الكلمات التي لا تصلح سوى تهم جاهزة لمتورط في جنح وجنايات، قذفت بالبلاد إلى الهاوية، مثل الظالمة وغير المبالية و”الحقارة”، ودأبنا على أن نقف إلى جانب المواطن الذي ألصقنا به لقب البساطة ووصفناه دائما بالمظلوم والمغلوب على أمره و”المحقور”، وما كنا نظن بأن هذه الوقفة هي ظلم صُراح، للمواطن قبل الدولة، من دون أن نعلم أو ربما كنا تحت تخدير المغالطة الكبرى التي أبعدت المواطن عن تحمّل مسؤولياته في الكثير من الأزمات التي عصفت بالبلاد.
منذ أيام صنع الباحث الجزائري العالمي بلقاسم حبّة الحدث العلمي، بعودته إلى الجزائر، مطأطئا رأسه في مدرسته الابتدائية التي تعلّم فيها الألف والباء وفي الجامعة التي نهل منها التكنولوجيا التي جعلته بعد تخرُّجه، حُلم معاهد ومخابر اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، فوجد التكريم من السلطات العليا في البلاد، ولم تفت زيارته إلى أرض آبائه من دون أن تخطف منه مؤسساتٌ في الدولة اتفاقياتِ شراكة لتبادل الخبرات، وقال الرجل الصادق والعبقري في تواضع، إنه يشعر بالفخر والبهجة وهو يرى هذا الاهتمام بالمئات من اختراعاته التي شكَّلت فتحا علميا كبيرا في العالم، ووعد بأن يردّ خير البلاد لأهل البلاد، وأن يكون تحت الخدمة كلما استُنجِد به، وهذا بعد استقباله من طرف الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف باقتصاد المعرفة والمؤسّسات الناشئة ياسين وليد. وللأسف فإن من بين قرابة مليوني طالب جامعيٍّ حاليٍّ، وضِعفِهم من السابقين والأساتذة الجامعيين، وغالبيتهم من الذين يتهمون الدولة بتهجير الكفاءات، لم يصنع الاستثناءَ إلا عشرات من الذين بدوا مهتمّين بملاقاة هذا الرجل المسمى في أمريكا بـ”جنة العلم الذي لا ينضب”.
ومنذ أيام أيضا صنعت شابة من أصل جزائري تُدعى شاهيناز لقّبت نفسها بـ”كارولين” ولقبّها المعجبون بها بـ”الحبّوبة”، الحدث، بعد عودتها إلى الجزائر قادمة من غربتها في بلاد الثلج السويد، حاملة معها بعض خرجات “اليوتوب” التي فيها الكثير من اللغط والقليلُ من الحياء، فوجدت أينما حلّت وارتحلت المعجبين والمعجبات من الذين “توّجوها” ملكة من دون تاج.
لسنا هنا للمقارنة بين أنصار الرجل والسيّدة، فلكل هواه، ومثل هذا التناقض يوجد في الكثير من دول العالم، فرونالدو أهمّ من أي طبيب أو باحث في البرتغال، وميسي أهم من الأدباء الأرجنتينيين الرائعين من الذين ينافسون على الدوام على جائزة نوبل في الآداب لدى عامة الأرجنتينيين، وإنما نريد التنبيه إلى أن الدولة في الجزائر لم تهتمّ بالتي أسماها المعجبون بـ”الحبّوبة”، والمواطنون لم يهتموا بالعالم المدعو حبّة، وهو التناقض الصارخ الذي يجب أن نتوقف عنده ونلوم أنفسنا، كما نلوم المسؤولين، فلا أحد منع الجزائريين من نهل علوم حبّة، ولا أحد أجبرهم على الزحف نحو “الحبّوبة”.