حتى أنت يا نصر الله!
يخطئ من يعتقد أن الثورات الشعبية التي نجحت أو تكاد في تونس ومصر وليبيا واليمن، يمكن استنساخها بمادة الكربون في كل الدول العربي وفي كل الظروف والأزمنة، ويُجرم في حق نفسه والوطن من يسعى إلى استيراد نموذج هذه الثورات لتطبيقها بحذافيرها على بلده، دون فهم خصوصيات وظروف وتركيبة ومشاكل هذا البلد أو ذاك.
-
صادمة جاءت تصريحات السيد حسن نصر الله، الذي تغلبت في داخله النزعة الطائفية على العقل والحكمة اللذين عرفناه بهما طيلة السنوات الماضية، فالرجل أعلن الحرب على كل من لا يقف إلى جانب ما يسميها الثورة البحرينية، وبينما يرى العالم كله أنها ثورة طائفية، يقف سماحة السيد موقفا مدهشا يغذي من خلاله الشيعة ضد السنة، والسنة ضد الشيعة.
-
وبوعي أو بدونه، يوقظ السيد نصر الله فتنة نائمة من شأنها أن تحرق الأخضر واليابس، بتنبيه وتحريضه على الاقتتال في البحرين، عكس الشيخ القرضاوي الذي واضح جدا أنه صمام الأمان للأمة الإسلامية من هذه الفتن والضغائن، فالرجل اعتبره كثيرون وقودا حقيقيا للثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن، لكنه عندما تعلق الأمر بالبحرين، وقف موقف العالم الذي يفهم كنه الصراعات، ويخشى على أمته من الفتن القادمة باسم الثورات الشعبية.
-
ما يحدث في البحرين فتنة طائفية خطيرة، يمكن أن تشعل حربا طائفية مهلكة في المنطقة، وليست ثورة شعبية التفت حولها كل الأطياف والطوائف والأديان والحساسيات، مثلما حدث في مصر مثلا، ويكفي يا سيد حسن أن المنتفضين في البحرين عندما قاموا، رفعوا صورته وصورة مرشد الثورة الإيرانية، وهتفوا شعارات تخترق الحدود والأطياف والطوائف، وهذا لم يحدث لا في تونس ولا في مصر ولا في ليبيا ولا في اليمن، فالمصريون التفوا حول ثورتهم (مسلمين ومسيحيين)، ولم يُرفع شعار ديني واحد، واليمنيون استطاعوا أن يُذيبوا كل الطوائف في ثورتهم الشعبية العارمة، لكن الذي حدث ويحدث في البحرين، مخطط طائفي مقيت تساهم أنت شخصيا ـ سماحة السيد ـ في إذكائه، وأنت ترى بأم عينيك الشيعة يتظاهرون ضد السنّة، والسنة يتظاهرون ضد الشيعة.
-
لقد قاتلنا معك في حرب تموز ضد إسرائيل بقلوبنا وأقلامنا وأموالنا وأرواحنا ـ كسنة ـ ولم يسأل أحد أحدا عن طائفته أو مذهبه، لأننا آمنا بقضيتك، ووجدنا فيك الوريث الحقيقي لعبد الناصر وبومدين، وأبو جهاد وأحمد ياسين.
-
وأكاد أجزم أن حماس الطائفة السنية كان أقوى وأبلغ في دعمك والوقوف إلى جانب المقاومة على خطوط النار الأولى، ونسينا حينها ـ أصلا ـ أنك رمز من رموز الشيعة، لأنه لم يكن يهمنا من تكون، ووالله لو أن مسيحيا قام بما قمت به لوجد المسلمين كلهم إلى جانبه.. أما أن تساهم في شق صف المسلمين وتحريض المذاهب ضد بعضها، وإيهام العالم أن الطائفة الشيعية في بلاد السنة مضطهدة، محاولا إيجاد مبرّر للثورات من نوع آخر، تهدم ولا تبني، وتحرض على الاقتتال وليس على السماحة، فستجد كل المسلمين، شيعة وسنة، في وجهك، ليقولوا لك: اتق الله في المسلمين يا نصر الله، فنحن نحبك في المقاومة، لكننا لن نقبل منك مشروعا طائفيا، يقسم الأمة ويشتت شملها، ويحرّض أبناءها ضد بعض..
-
سننتظر من سماحتك موقفا واضحا من الثورة السورية، خاصة وأنها ثورة حقيقية تضم جميع أطياف المجتمع السوري، سنرى إن كنت ستدعم الشعب السوري العظيم، أم إن النزعة الطائفية ستتحرّك في داخلك مرة أخرى، لمناصرة العائلة العلوية الحاكمة، المتهمة أصلا بالتشيّع وباضطهاد السنّة، ولن يمنعنا وقوفنا الدائم مع سوريا في خندق المقاومة، من الوقوف أيضا مع الشعب السوري في استرداد حقه واسترجاع حرياته المكبوتة.
-
عرفناك بطلا في الحروب، شهما في المواقف، قويا في المبادئ، وأحبَّك السنة من أجل ذلك أكثر من الشيعة، فلا تنزل بنا إلى حضيض الفتنة الطائفية ومستنقع الصراع المذهبي، الذي تغذيه إسرائيل وتموله أمريكا.. وأنت خير من يحارب هذه وتلك.