حتى لا تتكرّر المأساة!
سكننا الفزع أمس، عندما سمعنا زميلتنا تتحدث في قاعة التحرير عن نشرية خاصة لمصالح الأرصاد الجوية، بشأن قدوم أمطار غزيرة تصل إلى 50 ملمترا خلال ساعات فقط.
الهلع مردّه إلى سوء التسيير، وليس إلى الغيث الذي صلى عليه الجزائريون صلاة الاستسقاء، بعدما جفّت السماء، وأصاب القحط الأرض. وبالموازاة، بدأ الحديث عن التهاب مرتقب في الأسعار، نتيجة انهيار أو انخفاض قيمة الدينار، مقارنة بالأورو والدولار!
قصة البالوعات التي لا تـُنظف إلاّ إذا جاء الفيضان وجرف الشجر والحجر والبقر والبشر، ما زالت متواصلة، لأن آليات الحساب والعقاب، ما زالت غائبة ومغيّبة من طرف مصالح مكلفة بتسيير شؤون المواطنين!
المأساة التي خلفها فيضان باب الوادي في نوفمبر عام 2001، كانت دون شك قضاء الله وقدره ومشيئه، لكن الظروف المحيطة بما حدث، ساهمت في رفع قائمة الضحايا وفاتورة الخسائر، فهل تمّ محاسبة المستهترين بأرواح الجزائريين بعد 12 سنة من الطوفان؟
مأساة أخرى صنعها زلزال العاصمة وبومرداس في ماي 2003، وكان هو الآخر “مكتوبا على الجبين”، لكن الهزة العنيفة فضحت الغش والتدليس في البناء، وكشفت بنايات ومقاولات الموت، فهل حُوسب هؤلاء المتورّطين وكانوا عبرة لمن يعتبر؟
عدم معاقبة المتسببين في مآسي الجزائريين، هو المؤشر الذي فرّخ المفسدين والمتلاعبين والمتقاعسين، وجعلنا نفزع لمجرّد إعلان الشيخ فرحات عن اضطراب جوّي قادم!
من حق، بل من واجب، مصلحة الأرصاد الجوّية، أن تصدر النشريات الخاصة وتـُخطر المصالح المعنية، لكن هل ستستجيب الوزارات المعنية ومصالح البلديات والولايات والحماية المدنية؟ أم أنّ بعضها سيظل مثلما جرت العادة كالأطرش في الزفـّة؟
الحمد لله، أننا لم نكن ضمن الخطوط الحمراء ومثلثات الموت التي تجتاحها بانتظام الزلازل والفيضانات والأعاصير والتسونامي، وإلاّ لمات الكثير منـّا بالرعب والهلع والقلق وارتفاع والسكري والضغط الدموي!
مشكلتنا أنّنا لا نواجه “الكوارث الطبيعية” إلاّ بعد وقوعها. والمصيبة أنـّنا نواجهها بكثرة “الهدرة” والتحليل والتراشق بالاتهامات.. وهو ما يمدّد عُمر المأساة ويجعلها عابرة للولايات!
البلدية لا توقظ عمالها لتسليك البالوعات إلاّ إذا جرف الفيضان المدينة، وعلينا أن نتذكر كيف أن مركز رصد الزلازل أو الفيزياء والجيوفزياء، عزل لوط بوناطيرو في وقت سابق، وشنّ حملة عليه، لأنه “أخطر” المواطنين بهزة عنيفة ستضرب العاصمة!
المشكل ليس في بوناطيرو الذي “هوّل” المواطنين ونقل الرعب إلى الجميع، لكن الإشكالية في آليات عاجزة عن تلقـّي الإنذار وتجنّب الكارثة قبل حدوثها وإنقاذ ما أمكن إنقاذه وتحجيم الخسائر بحلول عاجلة!
هاهي الأرصاد الجوية تـُصدر كعادتها نشرية خاصة تحذر من “الطوفان”، لكن المعنيين بمواجهة الكوارث والمخاطر الكبرى نائمون، ليُعلنوا الطوارئ بعد الشروع في إحصاء الخسائر.. ولله في خلقه شؤون!