…حتى لا تسقط السراويل!
نواب “شعيب الخديم” تشجعوا و”ترجّلوا” فأنزلوا الأيدي ورفعوا الأرجل ببرّ-لمان، ليس للمصادقة على المشاريع بالطريقة التي تعوّدوا عليها، وإنّما لتفجير “ثورة” كان عنوانها “دبزة ودماغ” وشدّ من الشعر بين “حريم” البرلمان، ومطاردة داخل بهو وقاعة الجلسات، إيذانا بمرحلة برلمانية جديدة، مختبئين خلف قانون المالية لسنة 2016، الذي قال عنه المعارضون أنه “قنبلة” ستـُنزل سراويل الزوالية باسم شدّ الأحزمة المقطعة!
هذه المرّة، لم تسلم الجرّة، فقد انقسم النواب إلى نصفين: نصف معارض ونصف مبايع، لكنهم التقوا عند الضرب والنتف وحتى الهفّ، حيث فهم بقايا الناخبين، أن العملية مجرّد تمثيلية، من هؤلاء وأولئك، استعدادا للتشريعيات المقبلة، فهي إذن حملة انتخابية مسبقة ومبكرة، النصف الموالي للبقاء أو العودة عن طريق “مكافأة الحكومة”، والنصف المعارض للبقاء أو العودة بمخادعة المواطنين وانتزاع أصواتهم!
قانون المالية، مرّ والسلام، والزيادات في الأسعار كانت حتما مقضيا، والشجار و”التكسار”، لم يمنع الخبير السابق، عبد الرحمان بن خالفة، من تمرير “مشروعه”، الذي دبّر به على الحكومة، أو الحكومة استعانت به لتطبيقه في عزّ الأزمة المالية المنجرّة عن أزمة النفط الملعونة!
نواب الشعب المعارضون، يرفضون الاستقالة، ويرفضون اختزال أجورهم، ونواب الشعب الموالون يُدافعون عن “قانون بن خالفة”، أو “قانون الحكومة” بحجة أن شدّ الحزام لم يكف، ولذلك وجب تشديد شد الحزام حتى لا يسقط “سروال” الخزينة العمومية وحفاظا على كرامة التوازنات المالية للبلاد والعباد، وإن كانت التدابير صادمة وصارمة!
الآن، النقاش لم يعد مطروحا بين السادة النواب حول تمرير قانون المالية من عدمه، فالمشروع أصبح قانونا ينتظر التنفيذ الرسمي بداية من جانفي القادم، إلاّ إذا حدثت “معجزة” فتمّ مثلا توقيف هذا القانون مثلما حصل مع “قانون المحروقات” الذي ألغاه في وقت سابق رئيس الجمهورية في عهدة وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل!
إعلان “اقتصاد الحرب”، من طرف بن خالفة، مثلما أعلنه رئيس الحكومة الأسبق، بلعيد عبد السلام، أواسط التسعينيات، يدفع الزوالية إلى الخوف اليوم بسبب “الأزمة الجديدة”، التي شبّهها خبراء وسياسيون بأزمة 86، لكن أخطر ما في الحكاية، حسب المتخوّفين من “الأخطر”، هو المادة 66 من قانون المالية التي “يتهمها” المعارضون بأن “التقنين” للشروع في مرحلة أخرى من خوصصة وبيع الباقي المتبقي من بقية بقايا المؤسسات العمومية وعلى رأسها سوناطراك وسونلغاز!
النواب بمواليهم ومعارضيهم، نجحوا في بداية العهدة الانتخابية، بعد تشريعيات 2012، في مراجعة أجورهم ورفعها، لكن بعضهم فشل الآن في فرملة الزيادات في الأسعار، وبعضهم الآخر “تواطأ” أو صفق وبرّر عملته بظروف اقتصادية وضائقة مالية، من المفروض أنها تمسّ أيضا جيوبهم، فتعود أجورهم إلى وضعيتها الأولى، وإن كانت منتفخة في الصورة التي وُلدت بها مقارنة بشبكة الأجور التي يستفيد منها ملايين الموظفين والعمال!
ولا يدري العاقل، إن كان من الصدفة أن تتزامن “هوشة” النواب بسبب قانون المالية، مع اندلاع نار الغضب في سوناكوم، والحال أن عمال هذه الأخيرة، ثاروا بسبب تأخر أجورهم، وطالبوا بعدم تسييس قضيتهم، وأكدوا أنهم ضد “الخلاطين” والصيادين في المياه العكرة، وأنهم لا يُريدون سوى ضمان لقمة عيشهم ورزق أبنائهم بالحلال!
آن الأوان لأن “تنسحب” الطبقة السياسية من الواجهة، فقد فشلت وعجزت، وغرقت في الصراعات والتنابز بالألقاب، بدل أن تضمن إبعاد المواطن البسيط من حلقات التيئيس والإحباط والشعور بنهاية الكون والعياذ بالله، وليس بعيدا عن هذه الصورة السوداوية، فإن ما حدث بالبرلمان، من ملاكمة وكاتش ومختلف الفنون القتالية بين النواب، استقطب اهتمام المواطنين، أكثر ممّا لفت انتباههم قانون المالية وما تضمنه من اجراءات تمسّ قدرتهم الشرائية!
…في ذلك، رسالة إلى النواب والوزراء، إلى الحكومة والأحزاب، وإلى السياسيين، مفادها أن المواطن “استقال” من المتابعة والمناقشة والمشاركة، ولم يعد يهمه ما يُنتجه هؤلاء وأولئك، باستثناء، الاستعراض والفلكلور والمبارزة، وفي هذا مؤشر يتطلب الوقوف والتوقف، لتشخيص الحالة المرضية، التي تضع مختلف الانتخابات القادمة بين قوسين أو أدنى!
لقد سئم الجزائريون من “الهدرة” والثرثرة.. فالمطلوب اليوم، أن يُظهر كلّ طرف “حنـّة يدّيه”، باقتراح الحلول والبدائل، القابلة للتطبيق في الواقع، بعيدا عن التنظير والفلسفة التي لا تختلف كثيرا عن “الفستي والتبلعيط”!