حتى لا تضيع منا البدايات
عندما نواجه جملة التحديات المطروحة على مجتمعاتنا نكاد نجزم بأن كل واحد منها ضروري وله أولوية قصوى، الأمر الذي يدخلنا في متاهة تحديد البداية مما يعني ارتباكا قد تظهر نتائجه بعد سنين أو عقود من الزمن، لهذا كان ينبغي أن توضع ملفات التحدي المطروحة علينا قيد الدرس والبحث لنكتشف ما بينها من صلات وعلاقات ولنكتشف نقطة البداية في التعامل مع هذه الملفات. فهل نبدأ بأحدها أو بها جملة أو ببعضها؟؟ هنا تكثر الأسئلة وتفتتح ميادين واسعة ومتشعبة للبدء في إنجاز خطوة صحيحة.
هل المساكن أم الشغل أم الحريات السياسية أم التعليم أم الطبابة أم الخدمات والمرافق العامة أم البحث العلمي والصناعة والتجارة الخارجية من منها له الأولوية؟؟ إن كل ذلك مهم فكيف يمكن أن تتحرك طاقات الناس لإنجاز مهماتها دونما تأمين المسكن اللائق وتوفير الحرية اللازمة وتأمين العلاج الصحي وإنجاز الخدمات الضرورية وبعث إمكانيات الصناعة والتجارة الخارجية وضبط الاستقرار في البلد.. ويمكننا أن نبدأ بأي من هذه العناوين فتكون بدايتنا وجيهة وتلقى تأييدا من كثيرين وأنصارا من أغلبية الناس..
ولكننا في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي دفعنا أثمانا باهظة لتجارب فاشلة في كل ميدان من تلك الميادين المذكورة ووجدنا أن تقدمنا في جانب كان خسارتنا الفادحة في الجوانب الأخرى، لأننا لم ننتبه إلى أن المجتمع كالجسم البشري تماما كما قال الرسول الأكرم محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.. وكما أن الجسد بلا روح يصبح لا قيمة لأعضائه، فإن المجتمع بلا روح، أي بلا رسالة، يصبح لا قيمة لملفاته.. يصبح تجمعا وليس مجتمعا.
غاب عنا جميعا بعث الروح في مجتمعاتنا.. بمعنى استنهاضها بفكرة عليها إجماع وطني وقومي وحضاري.. وهذا يعني أننا لم نغرس في رحم المجتمع بذرة الحياة التي تمنحه الحركة الفاعلة والإيجابية.. غاب عنا أن نجدد روح المجتمع والأمة، وغاب عنا أن نحافظ على روحها من الانكسار والتشويه، وغاب عنا أن نربط مستقبلها بروحها وهويتها وشخصيتها.. وعندما غاب عنا ذلك كله أصبحنا غير قادرين على تحديد البدايات.
التصنيع ضروري والتعليم ضروري والتطبيب ضروري، ولكن قبل ذلك كله ومعه وبعده يجب أن نسأل: لماذا هذا كله..؟ إنه ضروري لكي نستطيع أن نقوم بوظيفتنا الإنسانية شهادة على العالمين: بلادا ذات استقلال وشعوبا ذات كرامة ودولا ذات سيادة.. البداية أن نؤمن بأننا نمتلك رؤية إنسانية وحضارية متميزة ومتقدمة على العالمين.. وفي بداية البداية يجب أن نؤمن بضرورة أننا مستخلفون لنكون أسيادا وإلا فإننا سنظل عبيدا.. وهذه الروح تنشئ بيننا المودة والتراحم والتعاطف لنكون بنيانا مرصوصا تسير جموعنا في اتجاه محصلته مجموع قوى الجميع والله غالب على أمره.