حتى لا نسير إلى الخلف!
مما لاشك فيه أن أمتنا وشعوبنا لم تنته بعد من مرحلة ما بعد الاستعمار التقليدي، وهي مثقلة بما ران على ضميرها وعقلها عبر قرون من التخلف العلمي والتكنولوجي، والنظري على صعيد المفاهيم والقيم ما يجعل التحديات كبيرة.. وإن كانت شعوبنا بطلائعها الثورية قد حققت انتصارات كبيرة بل ومعجزة في طرد جيوش المستعمرين ومؤسساتهم فإننا لازلنا نحتاج إلى جولات أخرى من المعارك ضد القابلية للاستعمار التي تجد مرتعا لها في عقول وضمائر كثيرين.
ومن هنا كان لابد من الارتكاز على ثوابت فيما نحن نخوض غمار التحديات كي لا يكون جهدنا خبط عشواء أو كحاطب ليل قد تاهت به المراعي وغرته الأمنيات الكاذبات تلقي بها أبواق الاستعمار.. إنها منظومة قيمنا كما حددها كتابنا العظيم الذي أعطى بدقة مواصفات الخيرية فقال “كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”،
وأول هذه المرتكزات بمعنى أول المعروف “واعتصموا بحبل الله جميعا” وحدة الأمة والشعب بكل المكوِّنات وجعل ذلك خطا أحمر ينبغي عدم تجاوزه لأن تفسيخ عرى الوحدة بأي سبب كان سيمنح العدوَ الفرصة المواتية للانقضاض على فريسته بأقلِّ الخسائر، كما أنه سيصرف الجهد والمشاعر والامكانات إلى ساحات حرب غبية لا طائل منها ولا جدوى..
وثاني المرتكزات بمعنى أول المنهي عنه من المنكرات الانخراط في صف العدو بمعنى أن يغيب عن بالنا لحظة أن العدو هو العدو الذي يريد لنا أن نغفل عن أدواتنا وخطتنا وبرنامجنا ومنهجنا فيميل علينا ميلة واحدة.. العدو الذي لم يتراجع عن عدوانه المتواصل منذ قرون عديدة فمنذ محاكم التفتيش بالأندلس إلى إسقاط بغداد، مرورا بالاستعمار الفرنسي وجرائمه بالجزائر والمغرب العربي كله واحتلال المشرق العربي من قبل الانجليز والفرنسيين وإقامة الكيان الصهيوني على أراضي فلسطين والحرب مستمرة.
ثالث المرتكزات تنبعث من قوله “وقل اعملوا” بمعنى الدفع بكل وعي ويقين إلى جعل العمل قيمة ذات شرف تُخرجنا من اللامبالاة والتهرب من تأدية الواجب في مرحلة سِمتها الأساسية العطاء والتضحيات.. فلقد أصبح تراخينا رهيبا مخيفا عن أداء الواجب كما ينبغي وأن غياب الرقابة الذاتية وفقدان آليات تصنع مناخات البذل والفداء جعلنا ندور في حلقات مفرغة.
بالحرص على وحدة الشعب وتماسكه ووحدة الأمة وتكاتفها، وبمواجهة مخططات العدو الاستعماري وعدم التورط في تحالفات معه أو إقرار له بشرعية جريمته، وبالعمل المخلص والحقيقي ضمن إطار خطة ارتقاء وانجاز، وعلى عين من الرقابة التي تجعل العمل واجبا وشرفا والإخلال به تخليا وعيبا يعاقب القانون عليهما.. بهذه المرتكزات الثلاثة نستطيع أن نقول إننا نسير إلى الأمام.
ومن التأمل الواضح لسير حركة الشعوب فإننا نلاحظ أنه متى كانت الوحدة والتصدي للعدو الخارجي فإن ذلك يستدعي العمل الجاد وتقديم الواجب على الحقوق.. ومتى نخرت التفرقة والتنابز بالألقاب صف الشعب والأمة استدعى ذلك الاستعانة بالعدو وفقدان بوصلة العمل.
صفا واحدا كالبنيان المرصوص لمواجهة المؤامرات من خلال عمل منهجي يحررنا من التخبُّط والتيه فإن ذلك ضمانة أن نكون خير أمة أخرجت للناس.. تولانا الله برحمته.