حتى لا يُصادَر أملُ الجزائريين
حلمتُ بأن يعود الأمل إلى أبنائنا، إلى بلدنا، يوم كان الكل يائسا من عودته إلى الأبد، يوم كان الجميع يقول بأنه لا رجاء من هذا الجيل بأن يفعل شيئا، بل إنه لا شيء، تائه في المجهول، باحث عن التفاهات، لا يستطيع أن يطرح فكرة أو يقود مشروعا.. كنتُ حينها أتشبَّث ببصيص أمل يلوح لي في الأفق، وأقول إنه قادر، يستطيع، بينه كفاءات ومُخلصون وحاملو مشروع ووعي قادرون على بناء الغد فلا تغرنَّكم المظاهر وما يبدو على السطح.
كانت هذه قناعتي ومازالت إلى اليوم وبإذن الله ستبقى، ذلك أني أحتكُّ مع بداية كل سنة جامعية مع أبناء في مقتبل العمر وأسبر أغوار تفكيرهم وأتبادل معهم الآراء وأعرف أنهم مازالوا بخير وأنّ من بينهم مَن يملك قدرات أكثر مما كنا نملك ونحن في سنهم، ومَن يملك حبا للوطن أكثر مما كنا نحبه ونحن في سنهم، وأثق أكثر في المستقبل، وأتأكد من أكثر أن شبابنا اليوم لا ينقصه إلا أن يعيش في ظل نظام سياسي قادر على استيعاب طاقاته، وقادر على تكثيف جهوده لتحقيق القفزة النوعية الكبرى التي مازال يحتاجها بلدنا لننتقل إلى مصافّ الدولة الأمة القوية والقادرة على أداء دورها الحضاري كما كانت عبر التاريخ.
وجاء الحِراك في الأسابيع الأخيرة ليُبرز هذه العبقرية، وهذه الكفاءة، وهذه الدرجة من الوعي التي لم يكن الكثير يرونها وكان البعض منهم يستهزئ بها، بل ويشك في وجودها أحيانا.
ولاحت لنا تباشير نجاحه من الأيام الأولى. وبدا وكأن الدولة الجزائرية القائمة ستحتضنه وتؤطره لكي يتحول إلى طاقة دافعة لها. وحرص الكثير على أن يسير في هذا الاتجاه. وبرغم ما نعرف من فساد على أكثر من مستوى في دواليب الحكم، وبرغم ما نَعرف من وجود دوائر لا تحب الخير لهذا الشعب، بل قل تزدريه، بدا لنا التعاملُ في مجمله مع ما أفصح عنه الحِراك مقبولا، وظل كذلك بسلمية مظاهراته واحترافية عمل قوات الأمن المرافِقة له… وفي لحظة معينة، بدا وكأنه سيصل إلى طريق مسدود عندما اكتفت السلطة بالاستجابة للمطلب الأول لشبابنا، بعدول رئيس الجمهورية عن الترشح للعهدة الخامسة، إلا أنها لم تتمكن من الإقناع في جانب الاستجابة للمطالب الأخرى، كما لم تُحسِن الإخراج القانوني والتطابق الدستوري لكل ما فعلته..
ومع ذلك، رأيت أن من مصلحة أبنائنا أن يقرؤوا بإيجابية محتوى الرسالة الثانية لرئيس الجمهورية وأن يندرجوا ضمن المنهجية المقتَرَحة لهم من قبله ويعملوا على تحويرها أو تطويرها بالطريقة التي يستطيعون، وإن رأى غيري غير ذلك ودافع عن التصعيد وعن ضرورة الاستمرار في حدّية الموقف إلى أن تتحقق الأهداف كاملة أو لا رجوع…
وأحسستُ بالخوف من هذا الموقف الحاد، وزاد إحساسي أكثر عندما بدأت أتابع تلك المواقف المؤيدة لمبادرة الخروج من الأزمة من قبل القوى الكبرى إذ اتفق بطريقة غير مسبوقة كل من الفرنسيين والأمريكان والروس والخليجيين وغيرهم على دعم مبادرة السلطة القائمة؟ وسألت نفسي: هل في هذا مصادرة لأمل الجزائريين؟ وأردت أن أكتب قائلا: أليس من واجب أبنائنا اليوم أن يراجعوا مواقفهم في ضوء العقل والحكمة قبل أي اعتبار آخر؟ ذلك ما آمل، بل وما أومن بأنه سيحدث بإذن الله.