الرأي

حتى نفهم التديّن على حقيقته (2)

سلطان بركاني
  • 875
  • 0

التديّن ليس تعقّدا وتزمّتا، إنّما المشكلة فينا نحن الذين ابتلينا بقُرناء من الجنّ غايتهم الأسمى أن يأخذوا بأيدينا معهم إلى جهنّم، وابتلينا بأنفس أمّارة بالسّوء تحبّ العاجلة والإخلاد إلى الأرض والالتصاق بالتراب، وتريد لنا أن نعيش في هذه الدّنيا من غير قيود ولا حدود، كمثل البهائم، نعيش لنأكل ونأكل في كلّ وقت، وتسيطر الشهوات على قلوبنا وعقولنا فنستبيح ما تقع عليه أعيننا.

المفارقة أنّك تجد العبد الذي أخلدت به نفسه إلى الأرض، يريد للنّاس أن يحترموا حدوده، لكنّه يحبّ أن يتعدّى حدود الآخرين. ويريد للنّاس أن يصونوا عرض زوجته وبناته، لكنّه يتحيّن الفرص لينقضّ على أعراض الآخرين؛ تزيغ عينه إلى عرض جاره ويتربّص بعرض صديقه، وشيئا فشيئا تنحدر به نفسه إلى درك يتساهل فيه في عرض بناته وحتى زوجته، فتجده لا يغار على بناته ولا على زوجته، ويريد لزوجته أن تكون متفتّحة مع الرجال، حتى لا تحاسبه على ما يفعله هو مع النّساء!

من الأمثلة الواضحة التي تشي بسوء ظنّنا بديننا ونظرنا إليه على أنّه سببٌ لتقييد حياتنا! تعامل كثير منّا مع الأمر بالسّتر وتغطية العورات! فالله –سبحانه وتعالى- أمر المرأة بالحجاب، ورغّبها في أن تجعل عفافها عنوانا لحياتها وتاجا فوق رأسها؛ لا تطمع فيها النفوس المريضة، فقال –سبحانه-: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا))، وأمر الرّجال بأن يجتهدوا في ستر ما يجب عليهم ستره، فقال نبيّه المصطفى –عليه السّلام- للرّجل المسلم: “غطّ فخذك فإنّ الفخذ عورة”، وعلّمنا–عليه الصّلاة والسّلام- أن نحرص على تغطية عوراتنا كما نحرص على ستر الخبث الذي يخرج من بطوننا، فحين سئل–صلى الله عـليه وسلم-: عوراتُنا ما نأتي منها وما نذرُ؟ قال: “احفظْ عورتَك إلا من زوجتِك أو ما ملكت يمينُكَ”، قيل: يا رسولَ اللهِ إذا كان القوم بعضُهم في بعضٍ؟ قال: “إنِ استطعتَ أن لا يَرينَّها أحدٌ فلا يَرينَّها”، قيل: يا رسولَ اللهِ إذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: “اللهُ أحقُّ أن يُستحيا منهُ منَ الناسِ”.. لماذا كلّ هذا الاهتمام بمواراة العورات؟ حتى لا تتطلّع النفوس إلى الأعراض، وحتى لا تشتهي النّفوس ما ليس لها ولا يحقّ لها.

هذا هو الأمر، وهذا هو الغرض، لكنّنا لو أعدنا النّظر في واقعنا لرأينا كيف أصبحت حياة كثير من المسلمين متنكّرة لهذا الأمر، حينما تمرّدوا على شرع ربّ العالمين! وأصبح العفاف مطلبا ليس مهما عند كثير من النّساء والرّجال، بل وأضحى قرينا للتخلّف والرجعية عند بعضهم، وأصبحت بعض النساء يسهل الوصول إليهنّ كما يسهل الوصول إلى شربة ماء، وبعض الرّجال يرى في قضاء وطره هدفا تستباح لأجله كلّ السّبل!

كان بدن المرأة جوهرة مكنونة ودرة مصونة لا يمكن أن يراه أحد غير زوجها، لكنّ المرأة التي أخلدت إلى الأرض واتّبعت هواها في هذا الزّمان، أصبحت تلبس من الألبسة ما يشفّ ويصف، وأضحت تلقي ثيابها على شاطئ البحر وفي صالات الأفراح وفي مواكب الأعراس لتعرض زينتها للناس جميعا.. وبعض النّساء أصبح الحجاب ثقيلا عليهنّ ثقيلا على قلوبهنّ قبل أبدانهنّ، كأنّهنّ حين يلبسنه يمتننّ على ربّهنّ ودينهنّ! لذلك يتربّصن به ويتحينّ كلّ فرصة ليتخفّفن منه، وربّما ليلقينه في الزوايا!

انقلبت الآية عند كثير من النّساء في هذا الزّمان، وأصبحت بعضهنّ يرين أنّ الحجاب وقتُه حينما تكبر المرأة ولا تنفعها الزّينة، فعندئذ تلبس الحجاب، أمّا وقت الشّباب فهو وقت التفنّن في أشكال وألوان الألبسة! بينما الحقيقة أنّ وقت الحجاب هو وقت الشّباب، حينما تكون النفوس متطلّعة إلى المرأة طامعة فيها، أمّا حينما تكبر فلا جناح عليها أن تخفف من حجابها: قال تعالى: ((وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)).. امرأة عجوز من نساء السلف كانت تلبس حجابها الكامل حين يدخل عليها الرجال، فقيل لها: ألم يقل الله: ((وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ))؟! فقالت: لكنّه قال بعدها: ((وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم)).

مثال آخر: الله –سبحانه- أمرنا ألا نأكل إلا حلالا، ورغّبنا في أن يتعب كلّ واحد منّا على اللقمة التي يجعلها في فم أهله وأفواه أبنائه، حتّى تكون هنيئة مريئة، لم يظلم في كسبها أحدا ولم يأخذ بها حقّ أحد. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ))، لكنّ بعض المسلمين في زماننا هذا يريد أن يظفر برزقه من دون تعب، ويريد أن يأخذ كلّ ما ترغب فيه نفسه ولو كان فيه حقّ لغيره!

المشكلة الأكبر والأعوص، أنّنا لا نريد أن نعترف بالخلل في أنفسنا، ولا نريد أن نرقى بها إلى شرع ربّنا لتستقيم وتعلو إلى السّماء وتعيش السعادة الحقيقية، ولكنّنا نريد أن ننزل بالدّين إلى أهوائنا ورغباتنا وشهواتنا المنفلتة وإلى أنانيتنا! تجد الواحد منّا إذا قيل له إنّ هذا حرام يقول: “أنا أظنّ كذا وكذا”، و”أنا جابلي ربّي”…!

فعودا على بدء: إذا كنّا نريد لأنفسنا الخير، ونريد لها سعادة الدّنيا والآخرة، فلنجاهدها على أن تحبّ الدّين وتتعلّق به، وتتعب لترقى إليه.. ديننا حقّه أن نرضى به ونحبّه ونجعله قرة لأعيننا، وليس أن نتعامل معه كأنّه قوانين متعبة، وأوامر ونواهي نلتزمها بتثاقل: يقول مولانا سبحانه: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)).

ديننا العظيم حقّه أن نخصّص له من أوقاتنا الغالية على قلوبنا؛ أوقاتا ينشغل فيها كثير من النّاس بدنياهم وأوقاتا تثقل فيها الطّاعة على أكثر عباد الله، مثل الصلاة في ثلث الليل الأخير، والصيام في أيام الحرّ، والصّدقة من المال العزيز على القلب الذي يحتاجه العبد لدنياه، وقول كلمة الحقّ عند من يغضبه الحقّ، والنّهي عن المنكر في زمان ومكان فشوه وانتشاره، يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “أيُّها الناسُ أفشوا السلامَ، وأطعِموا الطعامَ، وصِلُوا الأرحامَ وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ تدخلوا الجنةَ بسلام”.

ديننا العظيم يستحقّ أن نجتهد ونجهد أنفسنا في زيادة وقته.. وكلّما زاد الوقت الذي نخصصه لديننا وآخرتنا كلّما زادت البركة في أعمارنا وأوقاتنا وزادت السعادة والطمأنينة في قلوبنا.. ولنا أن نتأمّل هذا الحديث الذي يحفظه كثير منّا: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أجعلُ ثلثَ صلاتي عليك؟ قال: نعم إن شئتَ. قال: الثّلثين؟ قال: نعم. قال: فصلاتي كلَّها؟ قال رسول الله: “إذا يَكْفيكَ اللهُ ما أَهَمَّكَ من أَمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِك”. هذا الحديث لا يخصّ الصّلاة على النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- فقط، إنّما يعمّ الانشغال بالآخرة والدّين، فكلّما زاد الوقت الذي يخصّصه العبد لآخرته، كلّما زادت البركة في وقته وحياته.

مقالات ذات صلة