حتى يكون قلبك طاهرا
إصلاح القلب وتطهيره من الذّنوب والمعاصي، وعمارته بالطّاعات والقربات، ينبغي أن يكون أهمّ وأعظم مشروع في حياة كلّ عبد مسلم.. ينبغي لكلّ مسلم أن يجعل من أجَلّ أهدافه أن يلقى الله بقلب سليم من كبائر الذّنوب وصغائرها، سليم لله مولاه من سوء الظنّ، من التسخّط والاعتراض على أقداره، سليم من محبّة مخلوق مثل محبّة الله، ومن التعلّق بمخلوق لجماله أو ماله أو منصبه.. سليم من التعلّق بالدّنيا وأموالها ومناصبها وشهواتها، نقيّ من الشحّ والبخل والحرص.. سليم من الكبر والغرور والاعتداد بالنفس، ومن الحقد والحسد على عباد الله، ومن سوء الظنّ بالمؤمنين والمؤمنات، خاصّة علمائهم العاملين ودعاتهم الناصحين ومرابطيهم والمجاهدين.
ولأجل بلوغ هذا الهدف يلزم المسلم أن يتعلّم كيف يطهّر قلبه؟ ويبحث عن الأسباب التي تعينه في ذلك.. وقبلها ينبغي له أن يستحضر دائما وأبدا أنّ تطهير القلب من المعاصي والذّنوب، يحتاج –بعد فضل الله- إلى مجاهدة وتعب واهتمام وصبر.. يمكن العبدَ أن ينقّي مظهره في بضع دقائق ويجمّله حتى يسرّ النّاظرين، لكنّ القلب يحتاج إلى وقت وإلى صبر وكثرة واهتمام.. لنأخذ مثلا “الرياء”، هذه الكبيرة العظيمة من كبائر القلوب؛ إذا لم يطهّر العبد قلبه منها فهي لا شكّ ستهلكه. وتطهير القلب منها يحتاج إلى جهد وحرص واهتمام، يقول الإمام سفيان الثوري –رحمه الله-: “ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، إنها تتقلب علي”، ويقول نعيم بن حماد –رحمه الله-: “ضرب السياط أهون علينا من النية الصالحة”، ويقول يوسف بن الحسين الرازي –رحمه الله-: “أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على ألوان أخر”.. لكن ليبشرِ العبد المؤمن بالخير ما دام يسير على طريق المجاهدة، وما دام قلبه دائما بين يديه وأمام ناظريه، يقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين)).
أوّل سبب لتطهير القلب من كبائر الذّنوب وصغائرها: التوبة إلى الله –تعالى- منها، بأن يضع العبد الذّنوب التي تعشعش في قلبه نصب عينه ويحصيها، ويعلن لمولاه التوبة منها، ويحرّك قلبه بكراهتها وتمنّي زوالها من قلبه.. والعبد الذي لا يحصي الذّنوب التي تتغلغل في قلبه لا يمكن أن يتوب منها.. وليس ينفع العبد أن يحصي الذّنوب التي يراها منه النّاس ليتخلّص منها فرارا من كلامهم ولومهم وعتابهم! بينما الذّنوب التي يراها الله، لا يعبأ بها العبد ولا يلتفت إليها ولا يهتمّ بالتوبة منها.
ومن أسباب تطهير القلوب –كذلك-: الدعاء والإلحاح على الله فيه، لأنّ القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء، يزكّي منها ويطهّر ما يشاء ويدسّي ما يشاء، وقد كان من دعاء النبي –صـلى الله عليه وسلم-: “اللهم إني أسالك قلبًا سليمًا”.(أحمد، والترمذي).
ومن أهمّ أسباب تطهير القلوب –أيضا-: تلاوة القرآن الكريم وسماعه بتدبر وتفكر: يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “لا شيء أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة، والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله”.. وكما أنّ القرآن يغرس في القلب زادة ومادّة حياته، فإنّه يطهّره من مهلكاته ويفتح أقفاله ويفكّ أغلاله، يقول تعالى: ((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا))، ويقول –سبحانه-: ((وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين))، ويقول –تقدّست أسماؤه-: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين)).
ومن أسباب تطهير القلوب وسلامتها –كذلك-: المدوامة على ذكر الله -عز وجل-: يقول -سبحانه جل في علاه-: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)).. وذِكرُ الله –جلّ وعلا- ليس نافلة يثاب فاعلها ولا يعاب تاركها كما يظنّ البعض منّا، إنّما هو زاد القلوب وغيثها ودواؤها وشفاؤها، ولذلك قال النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه، مثل الحيّ والميّت”.