“حدود الدم” في سيكس ـ بيكو الجديد
فبينما تتثبت أقدام “داعش” ببلاد الرافدين لرسم “حدود الدم” في خرائط سيكس ـ بيكو الجديدة، انتقلت الأيادي العابثة بالمشهد الليبي إلى حافة الهاوية، مع الإنضاج السريع لتقسيم فعلي سياسي وعسكري، وقيام حكومتين مدعومتين بحلفين إقليمين: (مصري ـ إماراتي ـ سعودي) لحكومة طبرق، و(تركي ـ قطري ـ إخواني) لحكومة طرابلس، هما عنوان لصراع مفتوح على المجهول قد يفجر منطقة المغرب العربي بأكملها.
وفي الوقت الذي تسرب فيه الإدارة الأمريكية عبر صحافتها خبر تورط مصر والإمارات في توجيه ضربات جوية على مواقع للميليشيات الإسلامية المدعومة من قطر وتركية، يحرك الاتحاد الأوروبي للتنديد بما أسماه “التدخل الأجنبي” في ليبيا، في لعبة قذرة تريد أن تحول ليبيا إلى صومال جديد، يمتنع فيها على الليبيين إعادة بناء الدولة، فيما تساق دول الجوار مع الزمن إلى التورط عسكريا في النزاع، كما ورطت من قبل دول جوار الصومال.
فترويج الصحافة الأمريكية لتدخل جوي مصري إماراتي كان يهدف إلى ضرب مساعي دول الجوار المجتمعة بالقاهرة، حيث لا يعقل لأحد الطرفين المتنازعين القبول بوساطة طرف مشارك في النزاع، بما يقصي أي دور مقبول لمصر، ومثله تكون مخلفات ما روّج له ثوار النيتو وقتها حول دعم الجزائر للنظام الليبي، تمنع أن يقبل أحد الأطراف بوساطة جزائرية، رغم مساعي الغنوشي إقناع الرئيس بوتفليقة بلعب دور الوسيط قبل اجتماع القاهرة، وبالرغم من الموقف الجزائري الرافض لأي تدخل عسكري: غربي كان أم عربي، وصمودها أمام الضغوط الأمريكية والأوروبية التي عملت بشتى الطرق على سحب الجزائر إلى الرمال الليبية المتحركة.
فماذا بقي من خيارات أمام الليبيين ودول الجوار؟ فعلى المستوى الداخلي، تكون المواجهات المستدامة بين الميليشيات منذ إسقاط النظام قد رسمت بالدم حدود التقسيم، ليس فقط بين شرق وغرب ليبيا وجنوبها، ولا بين التيارات الإسلامية والعلمانية، بل رسمت خرائط فسيفسائية قبلية، وعداوات معمدة بالدم بين المدن، كما هو الحال بين مصراطة وبني وليد، ومصراطة وقبائل الزنتان، وبنغازي وطبرق، لن يكون بوسع الليبيين تجاوزها دون مساعدة من أشقائهم، أو من المجتمع الدولي، لا بالحرب ولا بالطرق السلمية بعد”الانقلاب” الذي نفذ ضد البرلمان المنتخب حديثا.
دول الجوار بدورها ليس لها موقف موحد، حيث أن أحد أطرافها ـ مصر ـ منخرط منذ حين في حلف أصبح شريكا في النزاع، ويريد تصفية حسابات إقليمية مع الحلف التركي ـ القطري ـ الإخواني في المشرق والمغرب، ليس للجزائر فيه لا ناقة ولا جمل، ولأنه بوابة جديدة لتعريب وأسلمة القتال من سورية والعراق شرقا، إلى ليبيا وتونس غربا، وقد يكون أسلم للجزائر أن تنشغل بتأمين حدودها كما تفعل الآن، وتتوارى إلى الخلف في انتظار أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في نزاع مرشح لمزيد من التصعيد، وحتى تتضح معالم ونوايا المخطط الأمريكي الغربي في المنطقة، وأن تسير موقفها بنفس الحكمة التي أدارت بها الأوضاع في الملف المالي.