الرأي

حرائقُ الجزائر: هل هي مدبَّرةٌ بليل؟

بقلم: بوطالب عرجاني
  • 69
  • 0

شهدت الجزائر في أواخر شهر أوت من عام 2026 موجة حرائق غير مسبوقة، اجتاحت في وقت متزامن ولايات بجاية، وجيجل، وسكيكدة، وميلة، وعنابة، وقالمة، والطارف، وخلّفت وراءها ضحايا ومصابين ودمارًا واسعًا في الممتلكات والثروات الغابية

وأبدى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون شبهة قوية بوجود بُعد إجرامي وراء اندلاع هذه الحرائق، قائلًا: «لكي تشتعل النيران بهذه القوة منذ البداية، فهذا ليس طبيعيًّا. سنقوم بإجراء التحقيقات اللازمة».
انطلاقًا من هذا التصريح، تُحلّل هذه المقالة القرائن المتضافرة التي تُرجّح فرضية الفعل المتعمَّد، وتُقارنها بالسوابق التاريخية والقضائية، وتستكشف الخلفيات الإستراتيجية التي قد تُفسر التوقيت والحجم غير الاعتيادي لهذه الكارثة.

أولا: الفرق المنهجي بين «الاحتمال» و«الحقيقة المُثبتة».
أوَّلا: فرضية تستوجب التقصّي
من الضروري —قبل سرد القرائن— وضع إطار منهجي دقيق يُفرّق بين ما هو «قرينة راجحة» وما هو «دليل قاطع مُثبت»؛ فالرئيس عبد المجيد تبون لم يُعلن حقيقة نهائية، بل طرح فرضية تستوجب التقصي، حين قال: «أظن أن هناك شيئًا إجراميًّا… وسنجري التحقيقات اللازمة». وهذا الموقف يتطابق مع منطق القانون والمنهج العلمي: فالقرائن قد تُرجِّح احتمالًا، لكن الأدلة المادية والقضائية هي وحدها التي تُحوِّل الظن إلى يقين. وعلى الرغم من ذلك، فإن توافر مجموعة من القرائن المستقلة التي تشير جميعها إلى الاتجاه ذاته، يرفع مستوى الاحتمال إلى درجة تُوجب أخذها بجدية قصوى.

ثانيًّا: القرائن الميدانية وتحليل سلوك اندلاع الحرائق
1. التزامن الجغرافي والزمني
أبرز ما يلفت الانتباه هو اندلاع عشرات البؤر النارية في آن واحد في ولايات متباعدة جغرافيًّا، فالحرائق الطبيعية -كتلك الناتجة عن الصواعق مثلًا- تظهر عادةً بشكل متفرِّق ومتعاقب، وليس على شكل موجة متزامنة تغطي مساحات واسعة في وقت واحد. هذا التزامن يُشكّل قرينة أولى قوية تُرجِّح تدخُّل فعل بشري مُنظّم، بدلًا من الصدفة أو العوامل الطبيعية وحدها.

2. شدة الاشتعال غير الاعتيادية منذ اللحظة الأولى
وهي الملاحظة التي لفتها الرئيس تبون شخصيًّا: «لكي تشتعل بهذه القوة منذ البداية، فهذا ليس طبيعيًّا»، فالحرائق الناتجة عن الإهمال عادةً ما تبدأ بشرارة محدودة وتتوسع تدريجيًّا بفعل الرياح والجفاف. أما الاشتعال الفوري والكثيف -الذي يُعيق السيطرة عليه منذ اللحظات الأولى- فيُشير بقوة إلى احتمال استخدام مواد مساعِدة على الاشتعال، مما يُضعف تفسير «الصدفة أو الإهمال العادي» ويُعزّز فرضية التدبير المسبق.

3. المعطيات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي
تداول رواد منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مرئية تُظهر وجود إطارات (عجلات) مشتعلة في مناطق اندلاع الحرائق. وتكمن أهمية هذه القرينة في أن مثل هذه الأدوات لا توجد في الغابات بشكل طبيعي، بل يُحضرها الإنسان عمدًا. ورغم أن هذه المقاطع لا تُعتَمد كدليل قضائي نهائي قبل التأكد من تاريخها ومكانها وعدم اقتطاعها من سياق آخر، فإنها تُضاف إلى غيرها من المؤشرات وتصُبّ جميعها في الاتجاه ذاته، مما يُعزّز الشبهة بوجود فعل مدبّر.

4. وجود التحذيرات وثبات المسؤولية القانونية
تُوجد في مداخل الغابات ومحيطها لوحات تحذيرية واضحة تمنع رمي الأعقاب المشتعلة وإشعال النيران. ومن الناحية القانونية والمنطقية، فإن تجاهل تحذيرات صريحة ومعلنة يُسقط عذر الجهل تمامًا. وبموجب القاعدة القانونية «لا يُعذر أحد بجهل أحكام القانون» فإن من يُقدِم على فعل يُعلم مخاطره المُحددة يُصبح مسؤولًا جنائيًّا، سواء قصد التدمير مسبقًا أم اكتفى بتجاهل العواقب. وهنا يُفرّق القانون بين درجتين من المسؤولية:
• الإهمال الجسيم المُدان: وتُعاقب بسنوات سجنا وغرامات، وتُطبَّق حين يتجاهل الشخص المخاطر من دون نية مسبقة للتدمير.
• الإشعال العمدي المُخطَّط: وتُعاقب بعقوبات تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام إذا نتج عنها وفيات، وتُثبت بوجود نية مسبقة وتدبير مُسبق.
وفي كلتا الحالتين، ومع أو من دون نية مسبقة للتدمير، فإن الفعل يُشكّل جريمة واجبة العقاب، ولا يُعفى أحدٌ من المسؤولية بحجة «عدم القصد».

ثالثًا: سوابق قضائية من تجربة عام 2021
لا يُمكن فصل أحداث جويلية وأوت 2026 عما خلصت إليه التحقيقات والملاحقات القضائية في كارثة حرائق صيف 2021، إذ أثبتت الأدلة حينها وجود فعل إجرامي متعمَّد في جزء من الحرائق، وتم توقيف أشخاص وتوجيه تهم الإشعال العمدي إليهم وثبوت التهمة على عدد منهم.

إن استهداف الغابات والثروات الوطنية عبر حرائق مُدبّرة خارجيًّا يُعدُّ -وفق منطق حروب الجيل الرابع- وسيلة رخيصة الثمن، سريعة التأثير، وصعبة الإثبات دوليًّا، تحقق أهدافًا إستراتيجية كبرى: تدمير موارد البلد، وبث الذعر والانقسام، وشغل الدولة عن مسار البناء والتقدم، وتقديم صورة سلبية عن الجزائر أمام الرأي العامّ الخارجي.

وهذه السابقة تكتسب أهمية خاصة: فهي تُثبت أن «الإشعال المتعمَّد للغابات» ليس افتراضًا نظريًّا بل فعلٌ ثابت ومُوثّق قضائيًّا ارتُكب في الجزائر من قبل. وحين تتكرر المؤشرات ذاتها: التزامن، والشدة، والانتشار، فإن السابقة تُرفع مستوى الاحتمال وتُوجب التعامل مع الفرضية بجدية تامة، باعتبار أن ما حدث مرة بفعل إجرامي قد يتكرر بالطريقة ذاتها.

رابعًا: الشماتة المُنظمة ودلالات التوقيت
من المؤشرات اللافتة للنظر التي تُعزّز الشبهة، ما تداولته فور اندلاع الحرائق حساباتٌ وصفحات معروفة بتبعيتها لدوائر رسمية في الخارج، إذ ظهرت موجةَ شماتةٍ فورية ومُنظمة وكأن أصحابها كانوا في انتظار وقوع الكارثة.
وإذا كانت الشماتة في حد ذاتها لا تُشكّل دليلًا قضائيًّا مباشرًا على تورّط أصحابها، فإنها تُكشف بوضوح حجم العداء المُعلن وتوافر «المصلحة المباشرة» في إصابة الجزائر بهذا القدر من الأذى. وهذا يُضاف إلى مجموعة القرائن ليشكّل سياقًا عامًّا مُريبًا يُوجب التساؤل المشروع: لماذا هذا التسرّع في الابتهاج بكارثة إنسانية؟ وهل يعكس هذا الموقفُ معرفة مسبقة أو مشاركة بأسلوب آخر؟
في هذا السياق تبرز مصلحة متقاطعة ومتطابقة لما وُصف بـ«الرباعي الخبيث»: فرنسا، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة، والكيان الصهيوني، إذ تلتقي مصالح هذه الأطراف جميعًا في هدف واحد: إبطاء مسار النهضة الجزائرية، وزعزعة الاستقرار الداخلي، وإظهار الدولة بمظهر العاجز، بما يخدم أجنداتها في المنطقة ويُحافظ على مصالحها ونفوذها.
إن استهداف الغابات والثروات الوطنية عبر حرائق مُدبّرة خارجيًّا يُعدُّ -وفق منطق حروب الجيل الرابع- وسيلة رخيصة الثمن، سريعة التأثير، وصعبة الإثبات دوليًّا، تحقق أهدافًا إستراتيجية كبرى: تدمير موارد البلد، وبث الذعر والانقسام، وشغل الدولة عن مسار البناء والتقدم، وتقديم صورة سلبية عن الجزائر أمام الرأي العامّ الخارجي.
إن مجمل القرائن التي جرى استعراضها: التزامن غير الطبيعي،و شدة الاشتعال منذ البداية، والمؤشرات الميدانية المُرصودة، والسوابق القضائية المُثبتة، والشماتة الفورية من جهات معادية، وتوافر الدافع والمصلحة الإستراتيجية، كلها قرائن مستقلة تشير بترابط وتكامل إلى أن فرضية «الفعل الإجرامي المتعمَّد» هي الفرضية الأقوى والأكثر تفسيرًا لما حدث، وليست مجرد افتراض أو تخمين.
ومع ذلك، واتساقًا مع ما ذهب إليه الرئيس تبون نفسه، تبقى الكلمة الأخيرة للتحقيقات الرسمية الميدانية والقضائية، لتُحوّل هذه القرائن المتضافرة إلى أدلة مُثبتة تُحدد بدقة: من خطّط؟ ومن موّل؟ ومن نفّذ؟ وأين تتداخل الأيادي المحلية مع أيادٍ خارجية؟
وإذا كانت القرائن الظاهرة تُرجّح بقوة وجود عمل إجرامي مُدبّر، فإن واجب الدولة والمجتمع هو انتظار ما تخلص إليه التحقيقات المُستندة إلى الأدلة المادية والقرائن القضائية، ليُعلن حينها بكل دقة ووضوح: من يقف وراء هذه الكارثة، ولأي هدف، وليُنال كل ذي حقٍّ جزاءه العادل.

مقالات ذات صلة