حرائق الجزائر… ووقفات لا بدّ منها
حرائقُ مروّعة شهدتها ولايات عدّة في شمال الجزائر، خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع موجة الحرّ القياسية التي يشهدها البلد، تجاوز تعدادها 180 حريق طاولت ألسنة اللهب في بعضها 10 أمتار. حرائق أحالت الغابات إلى رماد، وأشرفت على المناطق العمرانية حتى أُغلق بسببها عددٌ من الطرقات، ثمّ زحفت بسبب الرياح حتى وصلت إلى البيوت والممتلكات وأزهقت بسببها عشرات الأرواح، وفُجع الجزائريون بصور صناديق الموتى التي تخرج تباعا من المستشفيات، لتصفّ في المقابر قُبيل دفنها، في مأساة لا قبل للبلد بمثلها.
أخبار مروّعة تناقلتها المواقع والصفحات عن المأساة التي ألمت بأهلنا وإخواننا في جيجل وبجاية والميلية وسكيكدة، في قراها ومداشرها… ومن آلامِها: وفاة 11 فردا من عائلة واحدة بمنطقة العنصر ولاية جيجل، توُفّوا اختناقا وحرقا، نسأل الله أن يكتبهم في عداد الشّهداء… أحد الآباء ببلدية تاكسنة بجيجل سمع بوصول الحريق إلى مشتة بني خطاب، فانطلق إليها للاطمئنان على أغنامه، فحاصرته النيران، فاحترق مع ماشيته، تقبّله الله في الشّهداء… فتاة من أولاد عسكر في الخامسة والعشرين من عمرها، شعرت باقتراب النيران، فانطلقت مسرعة لتُنقذ عنزاتها التي تمثّل مصدر رزق لأسرتها، ولكنّ النار كانت أسرع، فاحترقت الفتاة وعنزاتها، تقبّلها الله في الشّهداء وربط على قلب أمّها التي لم يستطع الأهل والجيران أن يخبروها بالخبر… ثلاثة أطفال وصلت جثثهم متفحّمة من قرية بوطويل إلى العيادة متعددة الخدمات بسيدي معروف، بولاية جيجل، تقبّلهم الله في الشهداء… ومن أكثر المشاهد المروّعة، مشهد طفل وُجد متفحّما مع أبيه، وأب آخر وجد متفحما مع ابنه خلف مجرى لصرف المياه، وامرأة وجدت متفحّمة وهي تحتضن ابنتها.
حتّى لا نشكّ في رحمة الله
هي مأساة حقيقية تستحقّ أن تذرف لأجلها دموع العيون، وتتقطّع لها القلوب حسرة. وهي من بلاء الله وقضائه، والواجب علينا جميعا أن نصبر لبلاء الله ونحمده على قضائه حلوه ومرّه. وعلى كلّ من يتساءل: أنّى هذا؟ لماذا حصل كلّ هذا مع إخواننا وهم من بسطاء النّاس وفقرائهم؟ أن يتذكّر أنّ الله بحكمته قضى أن تكون هذه الحياة الدّنيا دار بلاء وامتحان، وكتب أنّ أشدّ النّاس فيها بلاءً الأنبياء ثمّ الأفضل فالأفضل. هذه الدّنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وهو -سبحانه- يبتلي عباده فيها في أنفسهم وأهليهم وأموالهم ليكفّر ذنوبهم ويرفع درجاتهم ويتّخذ منهم شهداء، يقول الله –تعالى-: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون))، ويقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِه وولدِه ومالِه حتَّى يلقَى اللهَ تعالَى وما عليه خطيئةٌ”. وإخواننا الذين قضوا في هذه الحرائق، نعم قد مرّت بهم لحظات رعب وذعر قبل أن تفيض أرواحهم، لكنّ كلّ ما عانوه ينسى في تلك اللحظة التي يبشّرون فيها بمنازلهم العالية –بإذن الله- في الجنّة، ففي الحديث الصّحيح: “الشهادةُ سبعٌ سوى القتلُ في سبيلِ اللهِ؛ المقتولُ في سبيلِ اللهِ شهيدٌ، والمطعونُ شهيدٌ، والغريقُ شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجنبِ شهيد، والمبطونُ شهيدٌ، وصاحبُ الحريقِ شهيدٌ، والذي يموتُ تحتَ الهدْمِ شهيدٌ، والمرأةُ تموتُ بجُمْعٍ شهيدة”.
ينبغي أن نستحضر هذه السنّة الإلهيّة، حتّى لا نشكّ في رحمة الله ولطفه، وحتّى ندرك أنّ أعظم رحمة يصيب بها الله عبدا من عباده هي أن يأخذ من دنياه ليدّخر له في آخرته، والآخرة خير وأبقى، لذلك يتمنّى الشّهيد يوم القيامة لو يرجع إلى الدّنيا لينال الشهادة مرّة أخرى، ففي الحديث يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “ما مِن أحَدٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أن يَرجِعَ إلى الدُّنيا، وأنَّ له ما على الأرضِ مِن شيءٍ، غَيرُ الشَّهيدِ؛ فإنَّه يَتَمَنَّى أن يَرجِعَ، فيُقتَلَ عَشرَ مَرَّاتٍ؛ لِما يَرى مِنَ الكَرامة”.(رواه مسلم)
ردّ على الماديين وعلى الجهلة المتألّين
إنّنا إذ نردّد هذا الكلام، إنّما نردّده ليزداد يقيننا بسعة رحمة الله ولطفه، ولنردّ على بعض من أشربوا في عقولهم النّظرة الدنيوية المادية للأمور فطاشت عقولهم في فهم تدبير الله لشؤون خلقه، وتكلّمت ألسنتهم بالتّشكيك في عدل الله وحكمته! ولنردّ –كذلك- على بعض الجهلة الذين لا يتورعون في اتّهام النّاس وتقريعهم مع كلّ مصيبة تنزل بالأمّة، وها هم قد خرجوا في هذه الأيام يقولون إنّ هذه الحرائق هي بسبب الحفلات وعري الشّواطئ والمعاصي والذّنوب، مع أنّ أكثر من قضوا نحبهم ومن نُكبوا في هذه الحرائق هم من بسطاء النّاس ومن سكّان البوادي والقرى والفلاحين الذين لا يسمعون بالحفلات ولا يتعرّون على الشّواطئ. وهكذا يصرّ هؤلاء المتألّون على الله في كلّ مرّة على أن يفتنوا النّاس في دينهم ويخدموا الإلحاد وسوء الظنّ بالله ربّ العباد، وقد سبق لهم أن بلغ بهم الأمر إلى حدّ القول إنّ ما حصل في غزّة هو بسبب ذنوب أهلها ومعاصيهم وبدعهم! مع أنّ أهل غزّة هم من أخيار هذه الأمّة وصفوتها.
الأمّة إذا وقعت بمجموعها في التفريط والغفلة، قد يسلّم الله أهل المعاصي فيها ويبتلي المحسنين، ليجزي المحسنين في الآخرة ولينبّه المفرّطين وأهل المعاصي لعلّهم يتوبون ويعودون، وهكذا ربّما ينزل الله بلاءه بعباده المسلمين ويعفي منه الكافرين والظّالمين، يقول الله –تعالى-: ((وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)).
حتى لا تركن قلوبنا إلى الدّنيا
ما جرى على إخواننا وأخيارنا في جيجل والمناطق الأخرى، هو بلاء ترفع به درجاتهم بإذن الله، وهو رسالة ربانية موجّهة إلينا نحن الذين سُلّمنا وعوفينا في أنفسنا وأهلينا وأموالنا، حتى لا نركن إلى الدّنيا، وحتى لا نصرّ على التفريط والغفلة، فنحن الآن نغدو ونروح ونسعى في أمن وأمان وعافية وسلام، ومنّا من يبيت على المعاصي ويصبح عليها، ولا ندري ماذا يخبّئ لنا القدر! لا نأمن أن ينزل بنا بلاء ينقلنا فجأة من دار الامتحان إلى دار الجزاء: ((أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)). نسأل الله السلامة والعافية.
هذا البلاء الذي حلّ بإخواننا، يفترض أن يقرع قلوبنا ويذكّرنا بضعفنا وقلّة حيلتنا أمام نُذر الله؛ شرارة صغيرة من النّار يمكن أن تجعل كلّ ما جمعناه ووعيناه وخاصمنا لأجله الإخوة والأرحام والجيران، هباءً منثورا، بين عشية وضحاها، بل يمكن أن يكون سببا في هلاكنا ونحن لا ندري! لذلك ينبغي لقلوبنا أن تتشرّب هذه الموعظة الربانية التي تخاطبنا قائلة: هذه الدّنيا الفانية لا تستحقّ أبدا أن تأخذ قلوبكم وتلهيكم عن الصلاة وعن ذكر الله وعن الدّار الآخرة، ولا تستحقّ أن يُخاصم ويُعادي بعضكم بعضا لأجلها.
أمّة الجسد الواحد
هذه المصيبة تذكّرنا –كذلك- بواجب عظيم من واجبات ديننا، هو أن نكون كالجسد الواحد، إذا مرض منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسّهر… ما حصل لإخواننا يفترض أن يأخذ بأيدينا إلى المساجد وإلى سجاداتنا نعلن التوبة بين يدي ربّنا ونجأر إليه أن يفكّ كرب إخواننا ويكشف مصابهم، ويفترض أن يحرّك أيدينا بعون إخواننا المنكوبين بكلّ ما يحتاجون إليه لتخفيف وطأة الفاجعة التي ألمّت بهم… والحمد لله أنّ أغلب الجزائريين كانوا في الموعد وفي المستوى –على عادتهم-، وصنعوا صورا من التكافل والتعاون والتراحم تبهج النّاظرين… في مقابلها –مع كلّ أسف- صور أخرى صنعتها قلّة لم تغيّر فيها المأساة شيئا، وكان حالها كما قال الله: ((أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُون))؛ فعندما أعلنت الدولة الجزائرية الحداد 3 أيام، وأمرت بإلغاء كلّ الحفلات والتظاهرات الرياضية والثقافية، شعر أغلب الجزائريين بأنّ الأمر يعنيهم وانخرطوا في هذا الامتناع تعاطفا مع إخوانهم، لكنّ بعضًا منهم لم تصلهم الرسالة ولم تطرق قلوبَهم استغاثات وصرخات إخوانهم في قرى جيجل وجبالها، فأصرّوا على إحياء حفلات الأعراس على وقع أغانٍ تحوم كلماتها حول الحبّ والغرام! المنكوبون في جيجل وبجاية وضواحيهما يذرفون الدّموع الحرّى على أهاليهم الذين تفحّمت جثثهم في الحرائق، وهؤلاء يغنّون ويتراقصون!
لا بدّ من اتخاذ الأسباب حتّى لا تتكرّر المأساة
هذه المصيبة، ينبغي أن تؤزّنا -كذلك- لنفكّر في تفريطنا وتقصيرنا في اتّخاذ تدابير السلامة الضرورية والواجبة للحيلولة دون وقوع المصيبة، أو على الأقلّ تقليل فاتورتها. فالله يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ))… ما حلّ بإخواننا بلاء من الله، لكنّه بلاء يوقفنا على تهاوننا وتكاسلنا في اتخاذ الأسباب… موجة الحرّ التي نشهدها هذه الأيام، كان توقيتها معلوما أياما عدّة قبل حلولها، وقد أنذرت مواقع رصد متخصّصة باحتمال نشوب حرائق في مناطق تعرف بغطائها النباتي الكثيف الذي تحوّل إلى وقود قابل للاشتعال بسبب موجات الحرّ المتوالية، وكان يفترض في حقّنا أن نعلن حالة الاستنفار والتأهّب، وننشر الوعي، ونأمر بإخلاء المناطق المرشّحة لنشوب الحرائق فيها… ولعلّنا لو فعلنا ذلك لكانت المأساة أخفّ والعلم عند الله… مواجهة الحرائق ينبغي أن تتحوّل إلى قضية أمن وطني وأمن قوميّ، فالتقلّبات الجوية في السّنوات الأخيرة تفرض علينا أن نرصد ميزانيات ضخمة لمواجهة الحرائق والكوارث، وأن تستنفر وسائل الإعلام لتوعية النّاس، وأن تكون قوانيننا صارمة مع كلّ من يعبث بالأرواح والممتلكات، وتفعّل عقوبة الإعدام في حقّ المستهترين والعابثين… الأرواح التي أزهقت في هذه الحرائق بتلك الصورة المروّعة لن تعود أبدا، وآلاف الهكتارات من الأراضي والغابات من الصّعب أن تعود كما كانت، وأيّ تقصير أو تفريط أو تأخّر يمكن أن يكون سببا في تكرّر المأساة مرات ومرّات… نسأل الله السّلامة والعافية لبلدنا ولسائر بلاد المسلمين.