-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حربُهم المقدّسة… ورايتُنا المنكّسة!

سلطان بركاني
  • 51
  • 0
حربُهم المقدّسة… ورايتُنا المنكّسة!

في عالمنا تنافسٌ حادّ وصراع محتدم بين القوى الكبرى، كلٌّ يرجو أن يكون الرقم “1”… هذا مفهوم وتتفق عليه كلمة المحللين، وقد نطق به القرآن وهو من سنن الله الماضية في خلقه: ((وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين))… لكنّ ما ينبغي لنا نحن المسلمين خاصّة أن نفهمه ونعيه، أنّ القوى الكبرى مهما اختلفت مصالحها وتصادمت مخطّطاتها، فإنّها تتّفق على أنّ الإسلام يجب ألا يُسمح له بالعودة مرّة أخرى!
مهما أظهر قادة هذا العالم أنّهم يريدون إشاعة الحرية والعدالة في دنيا النّاس، إلاّ إنّهم –في حقيقة الأمر- يعملون لصالح أباطرة المال والنفوذ في هذا العالم؛ ولصالح لصوص الذّهب وتجار السّلاح، وأغلبهم من اليهود، ولحساب عائلات روتشيلد، وروكفيلير، ومورغان، وغيرها من العائلات التي تريد للبشر أن يظلّوا عبيدا تحت أقدام أبنائها وأحفادها… هؤلاء الأباطرة يديرون النظام العالميّ من خلف السّتار، وأهمّ هدف لهم ينفقون لأجله أموالهم، هو ألا تقوم للمسلمين قائمة، مرّة أخرى؛ لأنّ الإسلام هو الدّين الذي حمل أقوى وأنصع راية في تاريخ البشرية: رايةِ “إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدّنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الاسلام”… هذه الراية التي تسوّي في الحقوق بين الغنيّ والفقير وبين الضعيف والقويّ، وتجعل خيرات الأرض حقا مشاعا لكلّ النّاس؛ لا يراد لها أن ترتفع مرّة أخرى!
في خضمّ الحرب الأخيرة التي يشنّها الصهاينة والصليبيون على إيران، بدا واضحا كيف أنّ أكابر مجرميها لم يهتمّوا بمذهب إيران ولا بعقيدتها في الصحابة، إنّما شغَلهم همّ أهمّ أنّ إيران دولة مسلمة تجعل الإسلام عنوانا لها، وتريد أن تكون قوية، وتجهر بالعداوة للغرب الظّالم المعتدي.
لقد قالها بكلّ وضوح، وزير الحرب الأمريكي “بيتر هيغسيث” الرّجل المتديّن (!) المعتزّ بإنجيليته، ثلاثةَ أيام بُعيد انطلاق الحرب على إيران: “لا يمكن أن نسمح للأنظمة القائمة على أوهام نُبُوئيّة إسلامية –مثل إيران- بأن تمتلك أسلحة نووية”!
فأيّ وضوح تنتظره الأمّة بعد هذا الوضوح؟ كلُّ من يؤمن بعودة الإسلام ويتحرّك لأجل هذا الهدف، لا يُسمح له بأن يكون قويا… لا يهمّ أن يكون سنيا أو شيعيا أو زيديا أو خارجيا… المهمّ أنّه مسلم يؤمن بأنّ الإسلام يجب أن يحكم… لا يسمحون للمسلمين بأن يكونوا أقوياء باسم دينهم ولا أن يتحرّكوا تحت رايته، في الوقت الذي يعتزّ فيه قادة الغرب بإشعال الحروب المقدّسة باسم دينهم المحرّف؛ فوزير الحرب الأمريكي الجديد “هيغسيث” الذي يُشاع عنه أنه يلتزم بحضور درس أسبوعي في الكتاب المقدس يقدّمه واعظ يؤمن بأنّ الله يأمر الولايات المتحدة بدعم إسرائيل؛ أعاد تشكيل القيادة العسكرية الأمريكية لتتوافق مع رؤيته الدينية! حتى أضحى كثير من القادة الميدانيين في الجيش الأمريكيّ يخطبون في قواتهم بأنّ الحرب الأخيرة جزء من “خطة الرب”! ويستشهدون بآيات من الإنجيل تتحدث عن “معركة هرمجدون” وعن العودة الوشيكة للمسيح المنتظر! بل إنّ أحد القادة أكد لضباطه وجنوده أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد بورك من قبل الرب يسوع (!) لإشعال الحرب مع إيران لتكون شرارة البداية لاندلاع معركة هرمجدون وعودة يسوع إلى الأرض!
ليس البنتاغون وحده من يوظّف الدّين لتعبئة الجنود الأمريكيين، بل حتى البيت الأبيض يبعث للعالم برسالة واضحة أنّ حرب أمريكا هي حرب مصالح يحرّكها الدّين، وقد رأى العالم أجمع ذلك المشهد في مكتب ترامب داخل البيت الأبيض، حين أحاط مجموعة من القساوسة الإنجيليين برئيس أمريكا ووضعوا أيديهم على كتفه وهم يدعون بانتصاره في الحرب على إيران! هذا المشهد، لو حصل في أيّ دولة مسلمة، لوقف العالم على رِجل واحدة يعلن النكير والنفير، وسمعت العلمانيين يلطمون ويشجبون ويستنكرون ويستدعون الخارج ليتدخّل ضدّ توظيف الدّين في السياسة!
أمّا المسلم الذي يتحدّث عن أحداث آخر الزّمان، وعن معركة الإسلام الفاصلة، فهو في نظر النظام العالميّ متطرّف يجب أن يحاصر ويحارب، في الوقت الذي تشير فيه بعض استطلاعات الرأي إلى أنّ ما لا يقلّ عن 40 % من الأمريكيين، أي أزيد من 140 مليون أمريكي، أصبحوا يؤمنون بأنّهم يعيشون عصر نهاية الزّمان وأنّ الحروب ستكون حروبا دينيّة بالأساس… ولذلك تتسابق وسائل الإعلام الأمريكيةُ في استضافة رموز المسيحية الإنجيلية التي لا تفتأ تؤكّد أنّ حرب ترامب على إيران هي حرب دينية مقدسة تمهّد للمجيء الثاني للمسيح، حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى حدّ تشبيه ترامب بـ”قورش الكبير” و”قسطنطين العظيم”، والزعم بأن الربّ يستخدمه في لحظة مفصلية!
أمّا الصهاينة، فمنذ البذرة الأولى لكيانهم الخبيث وهم يعلنون بكلّ صراحة أنّ حربهم ضدّ المسلمين حرب دينيّة، مِن يوم سمّوا كيانهم “إسرائيل” وأعلنوا أنّهم يتحرّكون وفق تعاليم التوراة… وها هو نتنياهو في خضمّ هذه الحرب الأخيرة على إيران، يستشهد بنصوص التوراة ويشبه الإيرانيين بـ”العماليق” الذين حاربوا اليهود في القديم، ويستدعي بطولات القائد اليهودي “مردخاي” والملكة “أستير” اللذين أنقذا اليهود من العدو الفارسي!
فما الذي بقي حتى يقتنع المسلمون بأنّ الحروب القائمة الآن هي حروب دينيّة تستهدف دينهم ووجودهم؟ إيران ليست البداية ولن تكون النهاية، وكلّ دولة مسلمة تريد أن تتحرّر من هيمنة النظام العالميّ وتريد أن تكون قوية، ستكون هدفا للصهاينة والصليبيين، حتّى لو كان حكّامها يقدّمون كلّ طقوس الطّاعة والولاء لترامب. أمريكا لا تثق حتى بعملائها، فهي تتوجّس سقوطهم في أيّ لحظة، وسقوطهم يعني قيام أنظمة معادية لأمريكا والنظام العالمي.
هل بقي بعد كلّ هذا من عذر للعلمانيين الذين يتفانون في تنفيذ أوامر النظام العالمي، بإبعاد دول المسلمين عن الإسلام، وإغراق شباب الأمّة في التفاهات والشهوات؟ هل يصحّ بعد كلّ هذا أن نخوض معركتنا ضدّ الصهاينة باسم العروبة وتحت راية القومية، بينما يخوض اليهود حربهم ضدّنا باسم التوراة؟ هل يصحّ أن نربّي شبابنا على ولاءات أخرى غير الولاء للدّين، بينما يربّي اليهود أبناءهم على بطولات مردخاي وأستير؟ هل يصحّ أن يعبّئ الصهاينة والصليبيون جنودهم وشبابهم لحرب دينيّة مقدّسة، بينما نخوّف نحن شبابنا من التديّن؟ هل يصحّ أن نترك شبابنا فريسة لإعلام يسعى في تأنيثهم وتخنيثهم بالرسوم المتحرّكة والأغاني والفيديوكليبات، بينما يعلن الإعلام الصهيونيّ حالة الاستنفار لتجنيد شباب اليهود في حربهم المقدّسة؟ هل يصحّ أن يربّي الصهاينة أبناءهم على بغض الإسلام والمسلمين ويعلّموهم حمل السّلاح منذ نعومة أظافرهم، بينما نربّي أبناءنا على اللّهو واللعب وحبّ الدّنيا، على الرقص والتمايل والتغنّج وعلى رسوماتٍ تسبح بهم في الخيال وتخرّب عقيدتهم وتستعبدهم للدّنيا؟
والله إنّها لرزية ما بعدها رزية في زمن الصراع المحتدم وفي أيامٍ يتحدّث فيها الصهاينة والصليبيون عن معركة هرمجدون، أن تجد شابا مسلما يكاد يطير من الفرح، لا لشيء إلا لأنّ صديقه قال له: “راك بوقوص اليوم”! شباب يهتمّ الواحد منهم بجماله ونعومة خدّه ولمعان شعره كما تفعل الفتاة! شباب يلبس الضيّق والمزركش ويضع عطورا أنثوية نفاثة ويمطّط شفتيه ويتذلّل في كلامه ويتمايل في مشيته! يبكي الواحد منهم لأجل خليلته ولا يذرف دمعة لأجل أمّته! يهتف للريال والبارصا ولا يعلم شيئا عن حصار جند الله المرابطين في الأرض المباركة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!