حرب بلا شهود!
لعلّ من بين نقاط الظل، وغرائب الحرب المفتوحة في مالي، هو “التعتيم” الإعلامي الذي تعرفه ساحة القتال، فلم تتسرّب مع الساعات الأولى للتدخل العسكري، أيّة صور أو مشاهد حيّة، وهو ما يرسم علامات استفهام، حول ما إذا كانت فرنسا تركز أولا على “الحرب الإعلامية” لحسم تواجدها بالأراضي المالية؟
بالمقابل، تبقى الحرب في مالي، بعيدا عن “الأخبار العاجلة” للفضائيات العربية والأجنبية، التي تحترف التهويل والتأويل والاصطياد في المياه العكرة، وهو ما يدعو إلى التساؤل حول ما إذا كانت هذه التغطية الإعلامية الباردة للحرب في مالي، تواطؤ أم “عدم اكتراث” بحرب تبقى بعيدة عن “أولويات” الاهتمام العالمي؟
لقد ركزت وسائل الإعلام الدولية، كاميراتها ومراسليها وموفديها واستوديوهاتها، على الحروب في أفغانستان والشيشان والعراق ولبنان، واهتمت كثيرا بثورات “الربيع العربي” في تونس ومصر وليبيا وسوريا، وركزت أضواءها الكاشفة وربورتاجاتها على السودان والمجاعة في الصومال وزلازل اليابان، لكنها اليوم تحوّلت إلى “شاهد” لا يُريد أن “يشوف حاجة” بمالي!
إبعاد وسائل الإعلام، أو، عدم اهتمامها بحرب أطلق عليها اسم “فنك الصحراء”، يعني في ما يعنيه، “تصفية” الشهود وإغماض الأعين، بما يحرم الرأي العام من الاتصال المباشر بما يحدث من تطورات متسارعة بمالي، وهو ما يفرّخ الإشاعات والدعايات والتأويلات، وقد يكون ذلك هو المُراد من “الخطة” الإعلامية التي تتبناها فرنسا في حربها بمالي!
الحاصل في مالي، أو الساحل أو الصحراء الكبرى، يبقى رهينة الإبهام والغموض، طالما أنه مازال مختزلا في تدخل عسكري، تقوده القوات الفرنسية “بطلب من مالي”، وطالما أن هذه الحرب ترفض مرافقة الطائرات الحربية بوسائل إعلام بوسعها نقل الحقيقة بكلّ صدق ومصداقية، ومثلما هي في الواقع، بلا تزويق أو تنميق!
من البديهي أن يُثار الشكّ والتشكيك، في التدخل الفرنسي بمالي، ومن الطبيعي أن تنتشر المخاوف وتتوفـّر مبررات الهلع والخوف، فعندما تغيب “الشفافية” عن ظروف إعلان الحروب وإدارتها، تتنامى المخاوف من الأسباب والأهداف الحقيقية لأيّة حرب تقودها قوات أجنبية داخل أراض من المفروض أنها سيّدة ومستقلة، ولا يهمّ بعدها إن كانت هذه الحرب بالوكالة أو باستعمال حقّ الفيتو!
آثار وتداعيات فنك أو قطّ الصحراء، ستنجلي في وقت لاحق، وقد يكون هذا الموعد بعد أسبوع أو بعد شهر أو بعد سنة أو بعد سنوات، فيخرج “شهود عيّان”، وتبرز شهادات واعترافات تنقل الوجه الآخر لحرب مازالت قنابلها تنفجر في صمت وبعيدا عن آذان الرأي العام الدولي!
الأرقام الأولى والحصيلة الأولية لخسائر وقتلى وضحايا الحرب في مالي، تخضع لمنطق التقطير وربما “التزوير” أيضا، تحت غطاء “الأسرار العسكرية” التي ستختفي خلفها طويلا القوات الفرنسية، وبدرجة أكثر السياسيين الفرنسيين، الذين سيجنون غلة وفيرة من هذه الحرب التي قد تنزلق من حرب على الإرهاب، إلى حرب على آبار البترول!