الرأي

حرب المفاوضات

عمار يزلي
  • 54
  • 0

“عندما لا تتمكَّن من إسقاط الخصم بالضربة القاضية في الجولة الأولى، فادّخر جهدك للفوز بالنقاط”، قاعدة ذهبية، ينتهجها اليوم الخصمان في مضيق هرمز، لاسيما “الخصم والحكم”، الذي بادر بالاعتداء الثنائي على بلد لم يهدده في وجوده يوما ولا حتى في مصالحه، مما أوضح للجميع بأن حرب الولايات المتحدة على إيران، كانت ولا زالت حرب الكيان بالمطلق، تخطيطا وتآمرا وإقناعا وجرّا، حتى لا نقول إرغاما وضغطا، وهو كذلك.

اكتشف منفذو العدوان، لاسيما في نسخته الثانية “ذات الأربعين”، أن التقديرات بالفوز بالضربة القاضية القاصمة لظهر البعير، لم تفلح في قصم ظهر البعير، و”انقصمت القشة” وبقي البعير كما هو، واقفا إلا من ندوب على كامل جسده، سرعان ما تتعافى مع الأيام وتعاقب الليل والنهار. عرفوا وفهموا، خاصة الجانب الأمريكي، الذي دخل الحرب ليس كحرف جرّ، بل كمجرور بالكسرة الظاهرة في آخره، أن إسقاط الخصم أعقد من “ذنب الضب” عند العرب المستعربة، وأن وعود الكيان، “أخلف من وعود عرقوب”، وأنه بعد الضربة المباغتة، التي كان أي حكم عادل على الحلبة، كان سيعتبرها ضربة خارج قانون اللعبة، تستوجب توبيخا منه حتى قبل البدء: فلقد كانت المفاوضات جارية في جنيف، وغادر المفاوض الأمريكي القاعة والتفاؤل سيّد الموقف، لاسيما من الجانب الإيراني، لكن اللكمة، سرعان ما باغتت الخصم من دون سابق إنذار ولا حتى  إعلان صافرة البدء. الكل كان يرى أن الضربة الأولى كانت من موقع “تسلل”، وأن الهدف يرد ولا يعد، إلا في مباراة يكون فيها الخصم هو الحكم.

مع ذلك، رغم الضربة المباغتة المخادعة، ترنّح الخصم ولم يسقط ولم يصل الحكم حتى لاحتساب الثواني التسع، فالسقوط لم يحصل ولم يفقد الخصم وعيه، بل ترنح قليلا، ليرد بكل ما أوتي من قوة، وأكثر مما كان يتوقع “الخصم ـ الحكم”، بل: الخصمان الحكمان.

صحيح أن إيران فاجأت الجميع، ليس بحجم ردها وقوته ودقته وزخمه، بل في شكل الرد: الرد على العدوان عبر استهداف الحدائق الخلفية لدول الجوار الممثلة في القواعد والمصالح الأمريكية، كما تصفها طهران، مما جعل الرد الإيراني أقرب إلى المفاجأة من الفاجعة: فاجعة استهداف الجيران، الذين يصرّون أنهم “لا ناقة لهم ولا جمل” في هذا العدوان، مع أن إيران كانت قد حذَّرت بشكل صريح غير مبطَّن ولا ملفوف في القطن بأن الرد سيكون باستهداف “العير والنفير”، لكن لا أحد، لا من العرب ولا من الغرب، ولا منا، شقيّا كان أم محروما، كان يتوقع أن يكون الرد بهذه الشدّة وهذه الجرأة. العدوان لردع العدوان، لا يبرّره أحد، غير أن “البادي أظلم” و”أعذر من أنذر”، تقول طهران وهي تربت على كتف بعض دول الجوار التي لم تكن تُضمر العداء لإيران ولا حتى الولاء المطلق للعدوان، فيما خلا دويلة واحدة، لا تزال إلى اليوم تريد أن تكون رأس حربة الكيان في الخليج.

لم يسقط النظام، بأيّ طريقة كانت، حتى بـ”ألعن” السيناريوهات ومنها “الفوضى الخلاقة” وعودة “الشاة إلى الزريبة”، والحصار وقلب الأبصار. بل على العكس، سقطت الأماني والترتيبات المرتبة في الدوائر المغلقة داخل الغرف المظلمة، وتحوّل الحلم إلى كابوس، لا مخرج منه إلا بحصار على حصار، وفتح مضيق كان مفتوحا، ثم غلقه وهو مغلق، والتهديد بالصعيد، والمضيّ في جولات تفاوضية عبر الرسائل لا عبر الطاولات، في حرب تفاوضية الهدف منها إضاعة الوقت، في انتظار مرور كأس العالم وتغيّر ظروف خارج المظروف.

مقالات ذات صلة