حرب الملفات والدعاوى القضائية؟
إذا كان أمامك كأس نصفه مملوء والنصف الثاني فارغ وأردت الحديث عن النصف الفارغ فإن ذلك يعدّ إشاعة، وحديثك عن النصف المملوء يعتبر تضليلا إعلاميا، فكيف تتحدث عن هذه الكأس؟.
الجنرال والكأس
يخطئ من يعتقد أن إنهاء الرئيس بوتفليقة مهام الفريق محمد مدين المدعو توفيق يوم 13 سبتمبر الماضي هو انتصار لفريق على آخر أو الحسم في من يخلف بوتفليقة عام 2019، ويخطئ من يظن أن الرئيس فكك مصلحة الاستعلامات بالإجراءات التي اتخذها سواء على مستوى الرئاسة أو المصلحة، فالحديث عن تعزيز قوة جناح الرئاسة على المؤسسة العسكرية كالحديث عن النصف المملوء من الكأس.
أعتقد أن طي ملف “تيبحرين” عجّل بتطبيق بعض بنود قانون المؤسسة العسكرية فيما يتعلق بالتقاعد بعد تطبيق المواد المتعلقة بالترقية لحاملي شهادات الماجستير أو الماستر أو الدكتوراه، فالرتب العسكرية صارت شهادات أو كفاءات، وحتى لا أروّج إشاعة أو أقوم بتضليل إعلامي أتساءل: هل يعقل أن تحتفل سلطات الجزائر بالذكرى العاشرة للاستفتاء على ميثاق السلم والمصالحة وهي تدرك أن من قام بها هم رجال الأمن الذين صعدوا إلى الجبال وأقنعوا المسلحين بالتخلي عن العمل المسلّح؟.
والإجابة بسيطة هي إعادة الاعتبار لهؤلاء الرجال الذين فضلوا الصمت على الحديث عمّا قاموا به، وقد حاول البعض استغلال ذلك بالحديث عن النصف الفارغ من الكأس، وحاول البعض الآخر الحديث عن النصف المملوء منه، وكأن الطرفين يعملان على إخفاء الحقائق، وأولى هذه الحقائق هي إنهاء مهام من كانوا يبتزّون الإعلام بالإشهار، أو يتحكمون في المجتمع المدني ويقومون بتزوير المعلومات، وثانيها هي أن “تحرير” المنظومة التربوية والإعلامية والاقتصادية والمالية من المراقبة الأمنية يجب أن يكون مرتبطا بتطبيق القانون واستقلالية العدالة.
حتى لا أروّج إشاعة أو أقوم بتضليل إعلامي أتساءل: هل يعقل أن تحتفل سلطات الجزائر بالذكرى العاشرة للاستفتاء على ميثاق السلم والمصالحة وهي تدرك أن من قام بها هم رجال الأمن الذين صعدوا إلى الجبال وأقنعوا المسلحين بالتخلي عن العمل المسلّح؟.
الاستعلامات.. رهان حرب صامتة
هذا هو عنوان أول كتاب أكاديمي جزائري للعقيد محمد خلفاوي اطلعتُ على نسخته باللغة العربية مع مقدمة الجنرال حسين بن حديد وهو يؤرخ للمخابرات في العالم ودورها في بناء الدول وحماية الشعوب، وبالرغم من أنه تحدّث بـ”شح” عن الاستخبارات الجزائرية بعد استرجاع السيادة الوطنية، إلا أنه يبقى مرجعا مهما للمؤسسات الأمنية.
إن أغلب من تقلدوا قيادة الاستخبارات في الجزائر ينتمون إلى “وزارة التسليح والاتصالات العامة” المختصرة في “المالغ” أو من مجاهدي الثورة، فالمرحوم قاصدي مرباح (1938- 1993) التحق بهذه المؤسسة عام 1957م وعُيّن على رأسها لدى قيادة الأركان عام 1960م فكان رجلَ بومدين في عهد أحمد بن بلة، واستمر فيها إلى غاية 1979م، وكان لي مشروع كتاب حول المخابرات في عهده بعد إنشائه لحزب، لكن شاء القدر أن يُغتال يوما قبل الموعد المحدد لبدء التسجيلات، والمفارقة أنني تلقيت مكالمة من شخص مجهول بعد نصف ساعة من اغتياله روى لي ما حدث ورفض الإدلاء باسمه.
وقد أنهى الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد مهامه بعد 19 سنة من رئاسة الجهاز ولم يحدث ضجيج إعلامي داخليا أو خارجيا، وعيّن خلفا له نور الدين يزيد زرهوني ثم أنهى مهامه بعد ثلاث سنوات دون أي تعليق، وقلّد نفس المنصب للعقيد المحجوب المدعو لكحل عياط، ومن الصدف أن جهازه استنطقني حول ديواني “هموم مواطن يُدعى عبد العال” الذي تحدّث عنه المفكر الراحل غالي شكري في “الأهرام” وروى قصة استنطاقي لأنه كان له علاقة خاصة بالرئاسة.
قضى العقيد المحجوب ثماني سنوات، لكن أحداث 5 أكتوبر 1988م كانت أحد أسباب إنهاء مهامه وتعيين الجنرال محمد بتشين خلفا له، ولكنه تعرّض لمضايقات من الجناح المنحدِر من الجيش الفرنسي، فاضطرّ الشاذلي إلى إبعاده وتعيين توفيق الذي كان معه في وهران على رأس هذا الجهاز الذي أدار الأزمة الجزائرية عبر رؤساء ومشاريع، فكان سبب إقالة أو استقالة الراحل الشاذلي بن جديد وتعيين المرحوم محمد بوضياف الذي اغتيل على المباشر، وتم تعيين العقيد المرحوم علي كافي على رأس “المجلس الأعلى للدولة” ثم جيء باليمين زروال الذي قلّص عهدته ليخلفه بوتفليقة.. وارتبطت الاستعلامات بهؤلاء الرؤساء بحيث دعّمت الاتصالات مع المسلّحين ومهّدت لمشاريع: “قانون الرحمة” و”قانون الوئام المدني” و”ميثاق السلم والمصالحة”، فلماذا أُبعد الجنرال توفيق وطاقمه عشية الاحتفالات بالذكرى العاشرة للاستفتاء على السلم والمصالحة؟.
لو لم استنطَق مرة ثانية بوزارة الدفاع في عهد الفريق توفيق في سنة 1993م لما فرّقت بين الجهاز في عهد الحزب الواحد وعهد التعددية؛ إذ لم أشعر بأيّ تغيير بقدر ما شعرت بذلك خارج الاستنطاق، فالجهاز هيمن على المجتمع المدني، ولهذا تم التآمرُ على المرحوم عبد الحميد مهري لأنه أبعد المنظمات الجماهيرية التي كان يقودها جهازُ الاستخبارات عن حزب جبهة التحرير الوطني.
آن الأوان لأنْ نفكر بصوت مرتفع بعد إبعاد عناصر هذا الجهاز من المنظومات: الإعلامية والتربوية والاقتصادية والمالية وبقية المجالات، ربما عاد إلى وظيفته التي أنشأها من أجله المرحوم سي مبروك المدعو عبد الحفيظ بوصوف، وإن كنت أرجح أن العملية مرتبطة بمرحلة انتقالية للسلطة.
في عهد الحزب الواحد كان المنصب يُقلّد لمن تنطبق عليه المادة 120 (أن يكون مناضلا في الحزب)، وفي عهد التعددية كان الولاء للجهاز والتقرّب منه هو سبب التعيينات في جميع المناصب حتى في الترشح للانتخابات المحلية والتشريعية.
يبدو لي أنه آن الأوان لأنْ نفكر بصوت مرتفع بعد إبعاد عناصر هذا الجهاز من المنظومات: الإعلامية والتربوية والاقتصادية والمالية وبقية المجالات، ربما عاد إلى وظيفته التي أنشأها من أجله المرحوم سي مبروك المدعو عبد الحفيظ بوصوف، وإن كنت أرجح أن العملية مرتبطة بمرحلة انتقالية للسلطة من مرحلة ”التحالف الأمني” إلى “تحالف رجال المال”، فهل بدأت حرب الملفات والدعاوى القضائية؟ ومن سينتصر في النهاية: حزب فرنسا أم رجالها؟.