-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حرب عالمية مختلفة.. هذه السبيل لإفشالها

صالح عوض
  • 1959
  • 0
حرب عالمية مختلفة.. هذه السبيل لإفشالها

ما يجري في المشرق العربي، لاسيما بلاد الشام والعراق، يكشف عن تصميم وتخطيط غربيين لتشكيل خريطة سياسية بعناوين جديدة. وهنا تتدخل قوى دولية وإقليمية، كل منها يريد الحصول على قطعة حلوى بحجم لسانه ورؤيته، ما أدى بالصراع والاشتباك إلى الوصول كما يبدو إلى نقطة اللارجعة والتعقيد غير القابل لفض الاشتباك ولم يعد سوى القتل والتفجير ودعم المسلحين والصوت المتشنج والصيغ الصراعية في واقع الناس اليوم..

لن يهتم هذا التحليل بالعناوين الصغيرة المستخدَمة في التصارع الدائرة حول مفاهيم بدائية عنصرية إقصائية من قوميات أو طائفيات أو جهويات لا يتجاوز وجودها كونها أدوات بأيدي الدهاقنة الاستعماريين، يحركون بها نار الصراع الذاتي في الأمة ويفرغون من خلالها احتقانات جاهلية تشبع رغبات المنهمكين بها كحطب لنار يؤجج أوارها الغربيون. وذلك من أجل هدف استراتيجي محدد.. إنه إفقاد الأمة إسلامها الأصيل، ضمانة حضورها، ومؤهل نهضتها، وحافظ تميزها، وإنشاء تجمعات باسم الدين تفتك برسالته وتشقي أمته، وتفتيت ديار العرب جوهر الأمة ومغناطيسها وتأليب بعضها على بعضها، وشطب فلسطين نهائيا بتكريس الكيان الصهيوني على أرضها كنتيجة موضوعية لغلبة الروم على أمتنا.. وهذا كله لتحقيق نهب ثرواتنا واحتلال مواقعنا الاستراتيجية وتحويلنا إلى كم لا قيمة له، تابع ذليل.

ولكنها ليست ساحة الصراع الوحيدة بل هناك ساحات عديدة وفي مجالات متنوعة ولكن مهمتها جميعا توفير الشروط الموضوعية لإنجاز هذا الهدف الاستراتيجي.. نعم هناك بحر الصين والدرع الصاروخية الأمريكية في كوريا الجنوبية في مواجهة الصين التي تقف خلف كوريا الشمالية وتطورها العسكري المخيف. وهناك الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا الشرقية في مواجهة تطوير روسيا سلاحها الاستراتيجي ومحاولاتها للهيمنة على الإقليم وما يحمله هذا التصعيد من إرادة غربية أمريكية بالجوهر لتحييد القوة الروسية وتكبيل النمو الصيني، فيما تتوجه أمريكا إلى التسيد على العالم وتثبيت أوضاع في قارات الأرض لصالحها بعد أن حولت أو كادت كثيرا من المؤسسات الوطنية في بلدان العالم إلى تابع يتحرك بكونترول أمريكي لا يقف عند حد الاستشارة بل يمتد إلى حيث التدخل المباشر في السياسات وفي تعيين كبار الشخصيات بدءا بالمسؤول الأول.. تكون أمريكا نجحت إلى حد كبير في كثير من بلدان العالم في الأمريكيتين والوطن العربي حتى في إفريقيا وأوربا الشرقية والعالم الإسلامي.. وهذا النجاح لن يكون في معزل عن الأخطار والانتكاسات إلا إذا تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من شل قوة تنامي المارد الاقتصادي الصيني وإدخال النمر الروسي في متاهات.

وفي الصراع الدائر على أكثر من جبهة وفي أكثر من مكان وبأكثر من عنوان تلعب الدبلوماسية المقاتلة حربا ضروسا حيث تتشابك القضايا لتدفع بعض الأطراف المتنازعة إلى تكتيكات تحالفية قصيرة المدى في مسائل معينة ولكنها تخفي مزيدا من النوايا السيئة من قبل كل طرف بالطرف الآخر، وكأنها إعلان هدنة بصيغة مختلفة بين الطرفين في قضية ما يعمل كل طرف أثناء الهدنة لتعديل الشروط لصالحه.. وفي ظل حسابات سياسية ومحاولات لاستغلال التطورات الميدانية لم تعد هناك سياسة واضحة أو خط سياسي واضح لكثير من الدول الكبرى أو الدول الإقليمية..

 هل تقبل أمريكا أن تسلم إلى روسيا ملف المشرق العربي أم إنها توريطة أخرى لروسيا؟ كيف نفهم العلاقات الأمريكية التركية بعد أن كانت في توافق لإسقاط الأسد ولا تزال تركيا جزءا من الحلف الأطلسي، فكيف تقوم الأجهزة الأمنية الأمريكية بتزويد مجموعات كردية تركية انفصالية بالسلاح والمعلومات؟

وهنا نشير إلى ما يبدو أنه تناقضات في مواقف الدول.. فمثلا كيف نفهم التفاهم الأمريكي الروسي حول سورية وبعد السير خطوات تتفجر تناقضات حادة؟.. ما حقيقة التفاهمات الاستراتيجية الأمريكية الروسية والإعلان عن تفاهمات فيما الاختزان رهيب حول كمّ من التناقضات الجوهرية بينهما تظهر إلى السطح من حين إلى آخر؟ هل تقبل أمريكا أن تسلم لروسيا ملف المشرق العربي أم إنها توريطة أخرى لروسيا؟ كيف نفهم العلاقات الأمريكية التركية بعد أن كانت في توافق لإسقاط الأسد ولا تزال تركيا جزءا من الحلف الأطلسي، فكيف تقوم الأجهزة الأمنية الأمريكية بتزويد مجموعات كردية تركية انفصالية بالسلاح والمعلومات؟ كيف نفهم العلاقات الإسرائيلية الروسية والتفاهمات بينهما في شأن التدخل الروسي في سوريا في حين تدعم إسرائيل مجموعات مسلحة كالجيش الحر وجماعة النصرة لوجستيا وأمنيا وتقوم روسيا بتزويد إيران بمنظومات صواريخ استراتيجية كما تقوم روسيا بالشراكة مع حزب الله بمقاتلة المجموعات المسلحة؟.. كيف نفهم لجوء تركيا إلى فتح صفحة علاقة تنسيق أمني مع روسيا بخصوص الوضع السوري، وفي الوقت نفسه تستأنف علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل وتتجه إلى علاقات تجارية مع إيران؟ كيف نفهم محاولات الخليجيين للتحرك في اتجاه روسيا فيما روسيا هي من يدعم نظام الأسد ويمد في عمره؟.. في العراق كيف تتردد الولايات المتحدة في محاربة داعش فيما نظام الحكم في العراق دستوره وسياسته وطبيعته وأشخاصه صناعة أمريكية أو على الأقل برضى أمريكي؟ في العراق أيضا كيف تدّعي الدول الإقليمية أنها لا تريد الإرهاب أن يتصاعد فيما هي تبدي عين الرضى عن تصرفات هذا الطرف أو ذاك الموالي لها وتشحنه وتغطيه سياسيا وإعلاميا؟ كيف تضطر بعض دول الإقليم إلى رعاية الإرهابيين وتجييشهم وتجنيدهم كما يحصل في تركيا والأردن وسواهما ثم ينقلب الإرهاب عليها عنيفا ومهددا؟ بمعنى كيف قبلت هذه الدول الطعم الغربي بتوريطها في حرب إلى جانب الإرهاب ومن ثم في حرب ضده؟

وبعد هذه الإشارة المستعجلة لعناوين ما يبدو أنه تناقض في السياسة الدولية التي على وقعها يتحرك الإقليم باضطراب وفي تناحر أعمى.. بعد هذه الإشارة، يجدر أن نطرح أسئلة استنتاجية: هل ما زال حل الدولتين الفلسطينية و”الإسرائيلية” قائما في السياسات الدولية أم إن تطورات الأحداث فرضت وقائعَ تجاوزته وأن صيغة جديدة يمكن طرحها في هذا الخصوص؟ هل يعني هذا أن النهاية التاريخية حلت بوضع فلسطيني يرتكز على الوعود الغربية أو يأمل اعترافا من قبل الغربيين؟ وهل يفيد هذا بأن ظروفا ملحة تهيئ لتولد مبادرة فلسطينية بصيغة أخرى وبمنطلقات أخرى وبرؤية أخرى وبسياسة أخرى؟ هل نجح الساسة العراقيون الطائفيون في أن يستحوذوا على الحكم والسيادة والمال رغم “رضى الأمريكان” وأن يقصوا مكوّنا كبيرا قد يكون هو الأغلبية من سكان العراق عن دواليب الحكم؟ هل تكون العمليات العنيفة الجنونية الإجرامية التي يرتكبها داعش استطاعت أن تقنع طيفا واسعا من العراقيين السياسيين وأصحاب الرأي المتحكمين في الوضع أنه لا يمكن أن يستحوذوا على العراق وأن داعش ما كان لها أن تكون بهذا الزخم والقوة لولا أنها تجد حاضنة كبيرة في العراق وأن هذه الحاضنة قد ولدتها سياسة الطائفيين الحاقدين في التهميش والتعاون مع الأمريكان والاعتداء على الحرمات وكرامات الناس وسرقة ثروة البلد؟ هل يكون كل هذا القتل والحقد الأعمى الذي انفجر في العراق قد وصل إلى نهاياته وأن إعياء حقيقيا أصاب الجميع.. الأمر الذي يعني أن ضرورة التفاهم والتعايش أصبحت أكثر واقعية وأن المواطنة الإنسانية مقدمة على المذهب والطائفة والدين في صياغة العلاقات بين الناس؟ ثم هل يكون المشهد السوري قد أفشل المخطط الأمريكي وإلى أي مدى؟ ثم ماذا يريد الروس من المشهد السوري.. هل لإخراج سورية من الصراع مع إسرائيل وعلى هذا أخذوا ورقة التدخل في الشأن السوري؟ ثم هل اتجه الغرب إلى التفاهم مع إيران في ملفها النووي ورفع الحصار عنها لجرها في ملفات أخرى أشد خطورة واستنزافها واستثارة دول المنطقة بوجود إيران وتضخيم خطرها مما يُلجئ دول المنطقة تحت وطأة خوفها وتحسسها أكثر إلى الإذعان للإرادة الغربية والتفاهمات مع إسرائيل، الأمر الذي يعني اصطفافات عنيفة في المنطقة تدخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على خطها لتأجيجها.. هذا في حين تستعد الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن تطلق فيضانات البترول الذي خزنته بشكل استراتيجي على مدار عشرات السنين والحديث الآن عن الفيضان البترولي لتنخفض أسعار النفط الدولي إلى مستوى عدم القدرة على إيفاء الدول النفطية بمستحقات الفواتير عليها.

الواضح حتى هذه الساعة أن الكيان الصهيوني هو المستفيد الوحيد من هذه الحرب العالمية التي يتم فيها شيْطنة الإسلام لتدمير العرب والمسلمين وشطب القضية الفلسطينية.. ولكنها استفادة مؤقتة ومحدودة.. فالعراق رغما عن الجميع سيتجه إلى التعايش لأنه ضامن الاستقرار والحياة الإنسانية وسيفرض العراقيون على الطيف السياسي كله وعلى رؤوس الفتن أن يرجعوا إلى الخلف من أجل عراق الجميع، عراق المواطنة.. وسورية تنتصر حتما على قوى القتل والشر والفساد بعد هذه الحروب المرهقة للجميع ستهرب مجموعات القتل وسيضطر النظام السوري حتما إلى توسيع دائرة الحريات والحقوق وتنظيف صفوفه من الفاسدين.. وبهذا تتسع سورية لكل شعبها على كل أرضها.. وإيران والسعودية ليس أمامهما إلا التفاهم والتصالح بعيدا عن التنابز بالألقاب والطائفية فتوفرا الأمن والاستقرار لكليهما وتوفرا عليهما ثروات تذهب هدرا.. بعد أن يتحقق هذا وهو ليس بالبعيد يكون الحديث عن فلسطين مجديا.. لأن قضيتها ولدت في ظل اختلال ميزان قوى رهيب بين الأمة والغرب.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!