حركة “بركات” وبركات “التحريك” !
حركة بركات الاحتجاجية ولدت دون “شهادة ميلاد”، ولم يعلن عن ميلادها إلا بعد أن خرجت إلى الشارع، ولم يعرف إن كانت ولادتها قيصرية أو طبيعية دون مخاض برعاية “مخابر سياسية” أو “قابلات تقليدية..” صحيح أن السيدة التي أخرجتها إلى العلن طبيبة توليد، لكنها أحرقت كل المراحل ودخلت بها مباشرة ساحة الاحتجاج ضد ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة.. ولعل هذا ما جعل المتتبعين ينظرون إليها نظرة الشك والريب..
ومنذ الوقفة الأولى التي ظهرت فيها الحركة في الثاني والعشرين فبراير، أي صبيحة اليوم الذي أعلن فيه سلال ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة وقبيل الاعلان ببضع ساعات، ظل المنتمون للحركة يحاولون أن يدفعوا عن أنفسهم تهمة الانتماء إلى جناح في السلطة لجأ إلى الحركة الاحتجاجية لاستدراك ما خسره في صراعه مع الجناح الآخر، وكانت الإشارة واضحة وصريحة ومعلنة إلى المخابرات والفريق توفيق…
ومع ذلك ركز”البركاتيون” في شعاراتهم وهتافاتهم على مناهضة العهدة الرابعة ورفضها، ولم ترفع الشعارات المنددة بالنظام والمخابرات إلا من قبل بعض “الملتحقين” العفويين من الشباب المتحمسين للاحتجاج ضد السلطة بكل مكوناتها وعلى رأسها المؤسسة التي ظلت تصنع الرؤساء، ورئيسها الذي قيل أنه يقدم نفسه على أنه “رب الجزائر”، فبرز شعار “لا عهدة لا دياراس، الشعب هو الأساس”…
وأمام تعاظم حملة التشكيك، اضطرت الحركة إلى محاولة قطع دابر التهم التي تطاردها، بصياغة ميثاق أذاعته بعد أكثر من أسبوعين عن أول ظهور لها على الساحة.. شرحت فيه هويتها وحددت أهدافها فقدمت نفسها على أنها حركة مواطنة تتبنى تطلعات وطموحات الجزائريين، واكتفت بعموميات لا ينكرها ولا يرفضها أحد ولم تخض بشكل تفصيلي إلا في مسألة رفض العهدة الرابعة وإلغاء رئاسيات السابع عشر أفريل واقتراح مرحلة انتقالية…
غير أن حركة “بركات”، وإلى اليوم، لم تقنع أنها “حركة مواطنة وطنية سلمية مستقلة غير حزبية تسعى لإرساء الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون في الجزائر” كما تقدم نفسها.. فالظرف الذي ظهرت فيه – عقب الحرب الضروس التي شنها عمار سعداني أمين عام جبهة التحرير ضد رئيس المخابرات محمد مدين المدعو توفيق، وكال له من التهم ما تشيب له الولدان، وقبيل إعلان رئيس الحكومة عبد المالك سلال ترشح رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة رابعة ببضعة ساعات – يدفع إلى الاعتقاد أنها كانت ردة فعل مباشرة واختيار سبيل آخر وأداة تحت الطلب لإدارة الصراع بطرق أخرى، أكثر منها حركة مواطنة وطنية مستقلة..
ثم إن أدبيات ميثاق الحركة الموضوع بأثر رجعي، توحي بأن مشكلة الحركة مع بوتفليقة وليس مع غيره، وأن معركتها الأساسية، مناهضة العهدة الرابعة ورفض الانتخابات الرئاسية، أكثر مما هي الـ:”عمل من أجل إيجاد حل سياسي سلمي مدني توافقي للخروج من الأزمة التي سببها النظام” كما جاء في الميثاق. فبوتفليقة ليس هو المسؤول عن الأزمة وحده، ربما هو أقل مسؤولية ممن غامروا بمستقبل البلاد وأدخلوها في أتون الحرب، وممن تفاوضوا معه وجاؤوا به إلى المرادية… من الذين لا نجد لهم ذكرا في الميثاق لا تلميحا ولا تصريحا… وحتى إذا كانت الذريعة هي مرض الرئيس فهذا دافع آخر للتنديد بالجميع، فالجميع مريض وقد بلغ من الكبر عتيا، فالنظام مريض برمته وفقد صلاحيته وأسباب بقائه وبلغ أرذل العمر…
إن الذي جعل الكثير من المتابعين للشأن الوطني، من المثقفين والمطلعين على مواقف الرجال والأقلام والناشطين، يحجمون عن تزكية هذه الحركة، هو جزء من تركيبتها البشرية التي تصنع واجهتها بعض الوجوه المعروفة بعدائها للديمقراطية وتلك الأسماء البارزة في تركيبة دعاتها الأساسيين أو داعميها سياسيا والنافخين فيها إعلاميا، فالكثير منهم من الفاشيين أنصار التدخل العسكري لإعادة ترتيب ما أفرزته الديمقراطية، من الذين يعرفون اصطلاحا بــ:”الجانفيين” أي ” لي جانفييريست” بالفرنسية..
إن بروز هؤلاء في الحركة، وإن كانت صادقة في مسعاها مستقلة في تحركها، ينزع عنها هذه الصفات ويرهن نجاحها، ويجعلها أداة للسعي لفرض طريق آخر ليس بالضرورة الطريق الذي يبغيه الصادقون في “بركات”، أو طرح خيار آخر لا يريد أن يكشف عن هويته أو يعلن عن نفسه، وإلا إغراق البلاد في فوضى الاحتجاجات والاقتتال لا قدر الله، فقد عودنا هؤلاء أنهم مسخرون لذلك ولا يثنيهم شيء عن المضي في تنفيذ خططهم وفرض خيارهم ولو على حساب دماء الجزائريين وأشلائهم…
وكما أن الحقرة والرشوة والفساد، لا يحاربها الحقارون، والمرتشون، والفاسدون ولا أولياؤهم وحلفاؤهم، والمستفيدون منهم، فإن الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون في الجزائر لا يبنيها الانقلابيون والمزورون والظالمون ولا الضالون المضللون… فبركات بزعامة هؤلاء – أو بتحريكهم – لا بركة فيها، ولا خير يرجى منها..