الجزائر
نقابات وفاعلون يقيمون الدخول الجامعي الجديد

حركية وإصلاحات متسارعة بقطاع التعليم العالي

إلهام بوثلجي
  • 5119
  • 0

شهد الدخول الجامعي 2022-2023 حركية وتطورات متسارعة غيرت من النظرة النمطية للجامعة، من مجرد كونها مؤسسة مانحة لشهادات التخرج وإضافة أعداد أخرى إلى مجموع الخرجين سنويا، إلى فاعل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ومساهم في خلق الثروة، وهو ما يتجسد حاليا من خلال القرارات التي أصدرتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخرا، لتكون بمثابة الانطلاقة الفعلية للتحول من لغة الخطاب إلى التجسيد الميداني.

لطالما كان الحديث عن دور الجامعة في الاقتصاد وتقريب الطلبة من المحيط الاجتماعي والاقتصادي مجرد خطاب رنان ووعود تم تداولها على مدار السنوات المتعاقبة، وما تم تطبيقه منها لم يتجاوز المحاولات البسيطة التي لم تحدث أي فارق في الميدان، إلا أن تصميم الدولة خلال ثلاث سنوات الأخيرة على أن تكون الجامعة قاطرة للتنمية والمجتمع، والذي ترجمه خطاب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون منذ توليه سدة الحكم وتأكيده على ضرورة إيلاء أهمية لقطاع التعليم العالي وإصلاحه، جعل من الفكرة واقعا بدأ يتحقق شيئا فشيئا، من خلال قرارات وقوانين تعتبر بمثلبة الأرضية والقاعدة الأساسية للانطلاق في الإصلاحات وإرجاع المكانة الأساسية للجامعة كفاعل في التنمية والإقلاع الاقتصادي والتكنولوجي.

التكوين والابتكار والتشغيل والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي.. رباعية الاستراتيجية

وفي السياق، شهد الدخول الجامعي الحالي حركية لافتة على المستوى التشريعي، الذي من شأنه أن يساهم في تقريب الجامعة من المحيط الاجتماعي والاقتصادي، وتمكين الطلبة ولاسيما الباحثين والمبدعين منهم من تحقيق طموحاتهم وتحويل أفكارهم ومذكراتهم إلى مشاريع، وهو ما تجسد في القرار الخاص بطالب “خمس نجوم” وبعدها القرار الخاص بالحصول على شهادة جامعية- مؤسسة ناشئة، وقرارات أخرى تخص تعزيز اللغة الإنجليزية في الجامعات، ولاسيما الأساتذة والباحثين من خلال تمكينهم من التسجيل في الليسانس وحتى المراكز المكثفة للغات حتى يساهموا في عملية التأطير استعدادا لإدخال الانجليزية في تدريس بعض المقاييس والمقررات، وإنجاز البحوث بالإنجليزية لتعزيز مرئية الجامعات الجزائرية، فضلا عن مواصلة رقمنة القطاع في كافة المجالات وخاصة الخدماتية.

ومن خلال هذا الملف، حاولت “الشروق” تقديم وجهة نظر مختلف الفاعلين في قطاع التعليم العالي، لتقييم هذه الحركية التي يشهدها القطاع وما تتطلع له الأسرة الجامعية، من خلال الإصلاحات المنجزة والرؤى المنتهجة.

بهدف خلق الثروة وتكوين طلبة رواد للأعمال.. أحمد مير:
استراتيجية القطاع مبنية على تحقيق أهداف المربع السحري

قال البروفيسور، مير أحمد، رئيس اللجنة الوطنية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال الجامعية، المكلف بمهمة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، إنه في إطار تطبيق الاستراتيجية الجديدة للقطاع شرعت الوزارة ممثلة في شخص الوزير كمال بداري، وكل الإطارات ومسؤولي مؤسسات التعليم العالي في توجيه الاستراتيجية العامة للقطاع نحو مجموعة من النقاط الأساسية، التي تشكل أضلاع المربع السحري، وهي “تكوين فعال وابتكار وتشغيل وانفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي”.

وأضاف في تصريح لـ”الشروق” أنه من هذا المنطلق، تعمل الوزارة على صياغة آليات وخارطة طريق لتنفيذ هذه المحاور الجديدة في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، مشيرا إلى أن أهم هذه المحاور هو تركيز الوزير على تخريج جيل من الطلبة يكونون روادا للأعمال، الذين سيطلقون مؤسساتهم الناشئة، ومشاريعهم الاقتصادية، ما سيضفي حركية على الاقتصاد الوطني ويسهم في تحقيق تنويع مصادر الدخل بالنسبة للدولة الجزائرية.

وأوضح رئيس اللجنة الوطنية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال الجامعية بأن هذه الاستراتيجية ستجعل من الطالب خالقا لمناصب شغل بدلا من باحث عن عمل، وهذا سيتجسد – مثلما يقول- من خلال إنشاء أكبر عدد من المؤسسات الناشئة، ولفت إلى أن بوادر هذه الاستراتيجية انطلقت مع استصدار مشروع القرار الوزاري “شهادة جامعية- مؤسسة ناشئة” و”شهادة براءة اختراع” الذي يحث مسؤولي المؤسسات على ضرورة تكييف التكوين لتخريج جيل من الطلبة رواد أعمال ومقاولين وأصحاب مؤسسات ناشئة.

ولتنفيذ المشروع، أفاد ذات المسؤول بأنه تم إنشاء اللجنة الوطنية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال الجامعية، والتي شرعت في زيارات ميدانية للندوات الجامعية الثلاثة (وسط، شرق، وغرب)، حيث أجمع الحاضرون فيها على أن تنفيذ المشروع الطموح سيكون له حركية كبيرة على الاقتصاد الوطني، وترتيب الجزائر في مقاييس الابتكار، ما سيغني الدولة عن استيراد بعض المواد والمنتجات التكنولوجية التي قد تنتج محليا، على حد تعبيره.

وقال البروفيسور مير إن الاستراتيجية الجديدة تعمل من أجل انفتاح الجامعات على محيطها الاجتماعي والاقتصادي، من خلال تكييف عروض التكوين، وفق ما تحتاجه البيئة المحلية للجامعة والاقتصاد الوطني، حتى يصبح التكوين الجامعي فعالا وهادفا.

وكشف المتحدث بأن الوزير يعمل بمعية إطارات الوزارة على صياغة أقطاب امتياز، تضم مجموعة من الجامعات ذات عروض التكوين التي تتواءم مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية، وتمنح شهادات للطلبة ممضية باسم أقطاب الامتياز، وهو ما من شأنه أن يلبي حاجة السوق بشكل فعلي حسب كل منطقة جغرافية، حيث سيتم الشروع فيه مستقبلا.

ويرى ذات المسؤول بأن المنتظر من الاستراتيجية الجديدة لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي هو تحقيق البعد “رقم41 ” الذي التزم به رئيس الجمهورية، والمتمثل في جعل الجامعة قاطرة للاقتصاد الوطني، وكذلك حث الجامعة على الانفتاح أكثر على محيطها الاجتماعي والاقتصادي، كما يطمح القطاع إلى خلق الثروة والتنوع الاقتصادي وامتصاص البطالة، مع تخريج جيل من الطلبة رواد للأعمال، حيث سيبنون مؤسساتهم الناشئة التي سيكون لها شأن كبير في ولوج اقتصاد المعرفة والثورة الصناعية الرابعة.

وصف مشاريع الوزارة بالطموحة جدا.. ميلاط:
التحدي المنتظر هو تحسين الظروف الاجتماعية والمهنية للأساتذة

ومن جهته، يرى ميلاط عبد الحفيظ، المنسق الوطني لمجلس أساتذة التعليم العالي، في حديثه لـ”الشروق” بأن الجامعة الجزائرية تعرف حركية غير مسبوقة، جعلتها تصنع الحدث مؤخرا وتتصدّر المشهد الإعلامي، خاصة بعد “التحاق الوافد الجديد، البروفيسور كمال بداري بالقطاع كوزير له، هذا المسؤول الذي أثبت كفاءته وحنكته التسييرية أثناء إشرافه سابقا على تسيير جامعة محمد بوضياف بالمسيلة، التي حققت في عهده طفرة غير مسبوقة”، على حد وصفه.

وتابع ميلاط: “قبل الحديث عن هذه الحركية الإيجابية يجب أولا معرفة مصدرها، الذي يتمثل في رئيس الجمهورية حيث أولى اهتماما كبيرا غير مسبوق لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي”، مواصلا كلامه:” الرئيس أمر بنفسه ورافق إنشاء المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي والمدرسة العليا للرياضيات والمدرسة العليا للصم والبكم، والمدرسة العليا للفلاحة الصحراوية كما حث دوما على تطوير الجامعة وجعلها حاضنة للمشروع الاقتصادي الوطني”.

وقال المنسق الوطني لـ”الكناس” إن الوزير الجديد متشبع بفكر رئيس الجمهورية، ومنذ الأسبوع الأول لقدومه على رأس الوزارة باشر إصلاحات عميقة وجريئة يعرفها الجميع، وهذه الإصلاحات جعلت الجامعة الجزائرية تستعيد بريقها وحضورها في الفعل الوطني خاصة وأنها حاضنة النخبة الوطنية، وبالتالي، سيكون من السهل عليها أن تكون حاضنة وقاطرة للاقتصاد الوطني، على حد تعبيره.

كما وصف ميلاط المشاريع التي أطلقتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وعلى رأسها ربط الجامعة بالمحيط الاقتصادي بـ “المشاريع الطموحة جدا”.

وأشار المتحدث إلى نجاحها وتحقيقها يحتاج توفر ثلاثة شروط، أولها تتمثل في الإرادة السياسية العليا، وهي المجسدة فعلا على مستوى أعلى الهرم التنفيذي، ممثلا في رئيس الجمهورية الذي يولي أهمية كبرى لمرافقة وإنجاح هذه الإصلاحات، أما الثانية –يضيف ميلاط- فتتعلق بالاستقرار والهدوء داخل الجامعة الجزائرية، وهذا “الشرط نحن واثقون أنه سيكون متوفرا نظرا للرؤية التشاركية والحوارية لوزير القطاع مع الشركاء الاجتماعيين وهي الرؤية التي ستنعكس لا محالة إيجابيا على القطاع”.

أما الشرط الثالث فيخص، بحسب المتحدث نفسه، الاستفادة من الخبرات الأجنبية المتطورة في هذا المجال، وهو الأمر الذي باشرته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بعقد عديد الاتفاقيات الدولية مع جامعات أجنبية، كما حدث مؤخرا مع تركيا، وقبلها مع العديد من الجامعات الدولية التي نجحت في ولوج عالم المقاولاتية بقوة.

وأكد ميلاط أن التحدي الذي ينتظر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي هو تحسين الظروف المعيشية للأستاذ الجامعي، باعتباره محرك وأساس الإصلاحات، وهذا من خلال الإسراع في إصدار القوانين الأساسية الخاصة بالأستاذ الجامعي، خاصة وأنه تم الانتهاء من صياغة كل بنودها، وهي القوانين التي يترقّب صدورها كل منتسبي الأسرة الجامعية بفارغ الصبر، كما قال.

شدد على جعل الجامعة قاطرة للنمو.. محمد دحماني:
المشاريع لا تنجح إلا بمعالجة الاختلالات والاستماع للانشغالات

من جانبه، أشار محمد دحماني، عضو المكتب الوطني المكلف بالإعلام للاتحادية الوطنية للتعليم والبحث العلمي، إلى أنه منذ تولي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، البروفيسور كمال بداري، شؤون القطاع في الثامن سبتمبر المنصرم، وضع خارطة طريق، حدد أولوياتها من خلال تجسيد برنامج رئيس الجمهورية للنهوض بالجامعة الجزائرية، وكذا تجسيدا لبرنامج الحكومة من خلال مخطط العمل الذي وضعه الوزير الأول.

ولفت دحماني، في تصريح لـ”الشروق” إلى أن هذه الاستراتيجية تم الانطلاق فيها وفق أهداف واضحة، وأولويات ضبطها وزير القطاع، وعلى وجه الخصوص ما تعلق بضرورة مواكبة قطاع التعليم العالي للتغيرات التي يشهدها العالم في مجال البحث والابتكار، وجعل الجامعة قاطرة للنمو، من خلال تكوين يتماشى مع السياسة الاقتصادية للبلاد هذا من جهة، ومن جهة أخرى تشجيع الابتكار وخلق الثروة ومناصب الشغل.

وبخصوص القرارات التي تم اتخاذها مع الدخول الجامعي الجديد، يرى دحماني أنها تتماشى واحتياجات القطاع، خاصة ما تعلق بإنشاء أقطاب الامتياز، وتنصيب اللجنة الوطنية التنسيقية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال الجامعية، فضلا عن اعتماد سياسية صفر ورق في ملفات مناقشة أطروحات الدكتوراه، ووضع المنصة الرقمية ابتكار في خدمة الطلبة المنخرطين في آلية شهادة مؤسسة ناشئة أو شهادة براءة اختراع. وحتى بالنسبة إلى مشروع تعزيز اللغة الإنجليزية في التعليم والتكوين العاليين، وكيفيات إعداد مشروع مذكرة تخرج للحصول على شهادة جامعية –مؤسسة ناشئة، ومختلف التدابير المتخذة مع بداية الدخول الجامعي والمتعلقة برقمنة الأنشطة والأعمال البيداغوجية المختلفة والاهتمام بالمحيط والبيئة وإعادة الاعتبار للحرم الجامعي.

وأكد ذات المتحدث على أهمية هذه المشاريع بالنسبة للأسرة الجامعية التي لن تنجح إلا بمعالجة الاختلالات والاستماع للانشغالات المطروحة قائلا: “نحن في الاتحادية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي ننتظر الاجتماع بالوزير لطرح مختلف الانشغالات المهنية والاجتماعية لمختلف مكونات الاتحادية النقابة الوطنية للأساتذة الجامعيين، والنقابة الوطنية للباحثين الدائمين، والنقابة الوطنية لعمال البيداغوجيا، والنقابة الوطنية لعمال دعم البحث العلمي والتعليم عن بعد”.

وتابع دحماني كلامه: “يبقى الرهان الأكبر بالنسبة للاتحادية هو صدور القانون الأساسي للأستاذ الباحث والباحث الدائم”.

ويرى المتحدث بأن الوزير وضع اليد على الجرح بخصوص الاستراتيجية التي اعتمدها لترقية الجامعة الجزائرية وتطويرها، بما يتماشى والتطورات التكنولوجية الحاصلة في العالم، وهو ما جسده-يضيف- في مختلف القرارات والتدابير التي اتخذها بخصوص مواصلة عصرنة القطاع من خلال الرقمنة، والدفع أكثر بترقية حاضنات الأعمال والمؤسسات الناشئة والمقاولاتية بالجامعة، والانفتاح أكثر على المحيط الاجتماعي والاقتصادي بحكم أن الجامعة هي قاطرة التنمية.

مدير الشبكات بوزارة التعليم العالي.. كمال الدين هراقمي:
الوزير يركز على تحسين الخدمات الرقمية للأسرة الجامعية

بدوره، يعتقد هراقمي كمال الدين، مدير الشبكات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في حديثه لـ”الشروق” أن الوزارة قطعت شوطا كبيرا في الرقمنة، باستعمالها لأرضية بروغرس خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الوزير – حسبه – يركز في استراتيجيته الجديدة على تعزيز الرقمنة وتحسين الخدمات الرقمية للأسرة الجامعية، وهذا بهدف تسهيل حياتهم الجامعية.

وأوضح المتحدث أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى إرساء سياسة صفر ورق، والتي تسهل العمل الإداري وتقلل من الوقت من جهة الإدارة وحتى من جهة الفرد الجامعي.

وأردف في كلامه: “بما أن الجامعة هي المحطة الأخيرة لحياة المواطن العلمية، فإن هذه الاستراتيجية تسمح ببناء وتعزيز الفكر الرقمي لدى المواطن”، مشيرا إلى أن الهدف الأسمى يبقى تسهيل اندماج المواطن في الخدمات الرقمية الأخرى والتي تسعى الدولة لوضعها حيز الخدمة، تطبيقا لتوجيهات وسياسة رئيس الجمهورية في إرساء الرقمنة داخل جميع القطاعات.

مقالات ذات صلة