الرأي

حروب الطواحين

عمار يزلي
  • 615
  • 0

الحروب على الطواحين الهوائية، تعود من جديد بعد نحو خمسة قرون من نشر رواية الكاتب الإسباني “ميغويل دي سيرفانتس” روايته “دون كيشوتي دي لا مانشا”، الساخرة. الساخرة من جنون نهاية عهد الفروسية في أوروبا التي كانت تحتضر فيها الإقطاعية وتحضر فيها على صفيح ساخن كل مقومات ثورات البرجوازية الرأسمالية التي ستتحكم في العالم بعد قرنين، لتعيد لروما زخمها الاستعماري التبشيري على وقع تغير في المسميات فقط: صار العبيد عمالا، بعدما مروا على فترة الإقطاعية، حيث تحولوا إلى أقنان، وتحول الأسياد إلى إقطاعيين، ليتحول الأسياد الرومانيون الذين هم الإقطاعيون في ما بعد إلى رأسماليين مالكين لوسائل وأدوات الإنتاج وللرأسمال بشكل خاص، فيما صار الأسياد سابقا، الأقنان لاحقا، عمالا مأجورين فقط لدى نفس المهيمن المتسلط التاريخي العبودي الإقطاعي..

تعود حروب القوميات المتنامية في أوروبا على خلفية تطور الإقطاعية المنهارة، التي وصف انهيارها البطيء والعفن كل من “بالزاك” و”فلوبير” في فرنسا، وتولستوي في روسيا، خاصة في “آنا كاريننيا”.

لم تكن رواية “دون كيشوتي” مجرد أضحوكة على عهد مضى ولا عن جنون التعلق بأشلاء الماضي، بل كانت صرخة في وجه الماضي والحاضر أيضا: “فليس كل ما ذهب، ذهب”، والرأسمالية التي فرح بها المبشرون والشعوب المستعبدة منذ عصر القرون الوسطى في الغرب الأوروبي، لن تكون “إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس”، على رأي الشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب.

اليوم، وفي عصر تطور “الإمبرياليات” الجديدة المتجددة، على رأي “لينين”، لما وصف الإمبريالية بأنها “أعلى مراحل الرأسمالية”، التي لم يكن يعرف مداها، إلى أين قد تصل هذه الرأسمالية التي حررت الإنسان من ربق الكنيسة والإقطاع، كيف ستصبح وحشا يأتي على الأخضر واليابس، وهو ما أشار إليه في “العقب الحديدي” الروائي الأمريكي “جاك لندن”، عندما أصدر روايته سنة 1923: وحشية الأوليغارشيات المالية الصناعية المتحكمة في البنوك والمصارف والمؤسسات الاقتصادية والشركات العابرة للحدود والقارات، التي نسميها اليوم “نخب اللبرالية الجديدة”، التي تتزعمها الولايات المتحدة مع بلدان أخرى تتقاطع مع الاقتصاد الأمريكي.

جنون التوسع بلا حدود، ومحاربة الكل من أجل الأنا الواحد، هو نفسه ما كان يحرك “دون كيشوتي”، رغم أن هذا الأخير كان يحلم بالعودة إلى الماضي، ماضي الفروسية المجيد، غير أن مغامرات الدونكيشوتية الجديدة، تحلم بمجد أكبر على خلفية الاعتقاد، عن حق، أن المجد القديم قد بدأ يتلاشى، مع ظهور منافسين أقوياء على أهبة الاستعداد لافتكاك الصدارة العالمية في كل شيء: اقتصادا وعسكرة وتصنيعا وفضاء وذكاء اصطناعيا وعددا وعدة، وأنه لا مجال للبقاء مكتوفي الأيادي أمام مجد يتلاشى أمام طواحين العالم، التي تأكل وتطحن الاقتصاد الأمريكي وتستنزفه كل لحظة وكل دقيقة. هذا التصور، هو ما يدفع إلى جنون المغامرة بإعلان حروب من كل حدب وصوب، ومن كل صنف وعلى الجميع، بلا تمييز إلا بما يميز الطائع والمذعن تحت نصل السيف على النحر.

الطواحين في كل مكان، والعفاريت تتربص بالعالم المتحضر، والمطلب الوحيد والأوحد في نظر الدونكيشوتية الجديدة، أنه على دون كيشوتي القرن الـ21 أن يجيّش من حوله ويمتطي صهوة حاملات الطائرات “روسيناتي” ويصطحب معه راكب الحمار، صديقه وخادمه المطيع “بن يمين سانشو بانسا”، طمعا في إعادة مجد أمجاد البلد القارة المنقسمة إلى كتل منذ عصر الاكتشافات القارية بين الساكس واللاتين.

حروب طواحين، لا أحد يمكنه معرفة عواقبها، إلا أن كل الدلائل تشير إلى بداية نهاية عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية.أسمالية

مقالات ذات صلة