الرأي

حروب الملوَّنين مع الأساطير البيضاء (17)

عمر أزراج
  • 1126
  • 0

توقفنا في الحلقة السابقة عند مشكلة تحديد مفهوم “الثقافة الشعبية” ومفهوم “الآخر” الذين احتدم النقاش حولهما بشكل استثنائي بين المثقفين والمفكرين بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم الإيديولوجية والطبقية في فترة حكم رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر المعروفة آنذاك بالمرأة اليمينية الحديدية.

وفي الواقع، فإن مفهوم الثقافة الشعبية قد تم تناوله بالتحليل في مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين وخاصة في الشعب الأكاديمية المتخصصة في الفلكلور الشعبي، والآداب، والمسرح، والسينما، والصناعات التقليدية.. ولكن ذلك التحليل كان قد انصب في الغالب على ثنائية ثقافة الطبقة العاملة وثقافة الطبقة الوسطى من جهة، وثقافة الطبقة البرجوازية من جهة ثانية. وأنا أتأمّل فسيفساء المجتمع البريطاني في مرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، لاحظت تغيرا كبيرا في مشهد النقاش الفكري بسبب بروز عناصر وألوان ثقافية أخرى في المجتمع البريطاني مثل ثقافات المهاجرين المقيمين على تنوع اثنياتهم، وجنسياتهم، ولغاتهم، وخلفياتهم التاريخية، والحضارية، والدينية فضلا عن تكوينهم النفسي المتنوع والمختلف.

في هذا المناخ بالذات لم يعد النقاش محصورا في الثنائية المذكرة آنفا، وفي الوقت نفسه لاحظت أيضا أن شرائح كثيرة ومتنوعة من الجاليات المهاجرة المقيمة بصفة نهائية والحاصلة على الجنسية أو الإقامة الدائمة في المهجر الجديد لم تكن منحدرة كلها من الطبقات المذكورة آنفا، وأن ثقافاتها وكذلك مرجعياتها الاجتماعية، والتاريخية، وتركيبتها النفسية وعاداتها الأسرية.. كانت ولا تزال تنتمي إلى الفئات الفلاحية، أو إلى الشريحة العمالية الرثة والدنيا. كما أن بروز الحركة النسوية المُطالِبة بالاعتراف بمواطنتها، وبحقوقها الاجتماعية والسياسية قد طرحت مشكلات أخرى ذات صلة عضوية بالمفهوم العام للثقافة، وبمفهوم الثقافة الشعبية بشكل خاص جدا؛ فالحركة النسوية، مثلا، في طبعتها الأوروبية/ الغربية لم تكن تتفق أبداً مع مفهوم الثقافة السائد لأنه في رأيها مفهومٌ من اختراع مؤسسات الذكور ولأنه يترجم فقط جزءا مهيمِنا ومسيطرا من البنية الثقافية الكلية في عمق المجتمع البريطاني.

 في هذا السياق فقد اتخذت تلك الحركة النسوية، على تنوّعها واختلافها، انتماءً اجتماعيا طبقيا ومرجعيات سياسية وإيديولوجية، موقفا جذريا رافضا للمعيار الجاهز والمثبّت والمغلق سلفا والذي بمقتضاه تمّ تعريف وتحديد الثقافة بصفة عامة وكذلك مفهوم الثقافة الشعبية؛ لأن هذا النمط من المعيار قد اعتبر من قبل الحركة النسوية الغربية معيارا ذكوريا منحازا ومفروضا فرضا وأنه سليل الخطاب الذي طمس ولا يزال يطمس الرؤية النسوية للعالم وللمفاهيم الثقافية.

في خضم احتدام هذا النقاش، المتزامن بالنضال اليومي في الميدان، لم يتوقف النقد النسوي الغربي عند تخوم نقد العلاقات اليومية النمطية المتكررة وغير العادلة بين الذكور والنساء، بل إنه قد امتدّ إلى تفكيك ما يسمى بالخطابات المكرّسة لدونية المرأة وتفوق الرجل، وهي الخطابات التي تتمثل في المؤسسات الثقافية، والتربوية، والإدارية، والعلمية والسياسية، أو تلك التي تختفي في بطون النصوص التاريخية، والأدبية، والفلسفية وهلمَ جرا.

أما في مرحلتي الثمانيات والتسعينات من القرن العشرين فصاعدا فقد تابعتُ عن قرب أيضا بروز تيارات أخرى مثل تيار الملوَّنين، والنساء الملوَّنات بشكل أكثر إلحاحا وحدّة. تتمثل خصائص هذا التيار في الغالب في المطالبة بضرورة إعادة النظر راديكاليا في مفهوم الثقافة كمنظومة كلية بما في ذلك مفهوم الثقافة الشعبية.

حسب هذا التيار الناهض والمختلف فإن الصراع السائد بين الحركة النسوية الأوروبية/ الغربية وبين مجتمع الذكور الغربي قد أهمل ولا يزال يُهمل بُعدا مهما ومفصليا يتطلب العلاج فورا وقبل استفحاله وتحوّله إلى مرض ثقافي واجتماعي وسياسي مركّب. وهكذا فقد أعلن هذا التيار عن نفسه داعيا إلى الأخذ بعين الاعتبار والاحترام مفاهيم ومضامين تمايز واختلاف ثقافات الجاليات الملوَّنة، علما أن مصطلحالملوَّنينأوالملوَّناتالذي تم تكريسه في البلدان الأوروبية/ الغربية هو اختراع غربي بامتياز. إن هذا المصطلح المخترع في نظر اليمين الغربي هو مظلة تخفي تحتها العناصر الثقافية والسياسية والفكرية الوافدة والمغايرة لكل ما هو ليس من أصل أوروبي/ غربي.

وهكذا أصبح الإنسان الملوَّنكمفرد بصيغة الجمع، وبمختلف أصوله التاريخية، ومواقعه الاجتماعية في المهاجر الأوروبية/ الغربيةينظر إلى هذا المصطلح على أنه يتضمن بشكل مباشر نوعاً من تكريس أشكال التفرقة والعزل والفصل على أساس اللون، ونمطا منالعنصرية البيضاءعلى نحو مضمر في الغالب.

وفي آخر المطاف فقد تمخض هذا الوضع غير الطبيعي عن تشكل وتبلور ما يسمى الآن في حقل العلوم الانسانية بنقد الملونين السود، وبنقد النساء الملوَّنات الأسيويات والعربيات المسلمات وكذلك بنقد الاثنيات والأقليات غير الغربيات للتمثيلات الثقافية الغربية التعسفية للإنسان غير الأبيض.

إن هذه التمثيلات نعثر عليها حتماً وخاصة في نسيج الإنتاج الغربي الاستعماري وما بعد الاستعماري: (متون التاريخ، والأدب المعتمَّد، وفي الأفلام السينمائية والمسرحيات، وفي الفنون التشكيلية وخطابات الثقافة الشعبية وهلمَ جرا).

يُتبع

مقالات ذات صلة