حرية العقل لا حرية الشهوة
هناك علاقات وثيقة بين تمام الإيمان، وحسن النظر، والعمل في الكون والحياة.. إن القرآن يحدّث الإنسان عن العالم كما تحدث أي امرئ غني عن أملاكه الواسعة وقدراته المتاحة. ولا غرو، فالإنسان في نظر الإسلام ملك هذا الكون، وسيده المدلل المخدوم، وماذا بعد أن يقال للبشر: ((أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)).. إن الشمس تطلع وتغرب من أجلنا، والدراري اللامعة في الآفاق زينة لأعيننا، وهداية لسيرنا. وانظر إلى التمتيع الذي تنوه به هذه الآيات: ((أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)).
إن الأرض حفلت بالحقول التي تغذينا، والحدائق التي تسرنا، لأن الله يجمع للناس بين الضرورات والمرفهات، ولا يطلب منهم بعد ذلك إلا أن يعرفوه وحده، ولذلك سأل: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)).. وبناء الإيمان الصحيح إنما يتم من عناصر تؤخذ من التفكير في الكون.. وبقدر ما يستجمعه النظر الصائب من هذه العناصر يكون الإيمان جليلا أو قليلا.. وقد يحتبس بعض الناس في أماكنهم فلا يحسنون الفكرة ولا العبرة، وهؤلاء المسجونون المحجوبون يهيب القرآن بهم أن يرحلوا وينتقلوا لعل في ارتحالهم وانتقالهم ما يحرك عقولهم الجامدة، ويصلهم بالحقائق العظيمة: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)).
إن القرآن الكريم كتاب فذ في ربط الناس بالكون، ولفت أنظارهم إلى كوامنه وظواهره. لقد جعل حياتهم المادية مربوطة بحسن العمل فيه، وجعل حياتهم المعنوية مربوطة بحسن التفكير فيه.. فأي توجيه أفضل من هذا التوجيه في تعليق الناس بالحياة الصحيحة؟ نعم، بُليت الأديان من قديم بمن أساء فهمها، وخاصم الحياة باسمها، وأوهى صلات الناس بها، وأراد أن يجعل منها سجنا كبيرا ومحنة ثقيلة. وقد جبه القرآن الكريم هؤلاء أشد التجبيه، وأنكر عليهم أشد الإنكار ذلك: ((وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)).. كما رفض الإسلام طبعا غباء هؤلاء الذين يحسبون الحياة نهبا لا صاحب له، وأنهم ولدوا فيها بطريق المصادفة كما تخلقت لهم بطريق المصادفة، ولذلك فهم يفعلون فيها ما يريدون، ويتصرفون كما يشتهون. كلا كلا. إن الله وهب لنا هذا العمر، وأسكننا في هذا الكون، لنعرفه لا لننكره، ولنشكره لا لنكفره. والدين بهذا المنطق لا يعادي الحياة ولا يحجر على الأحياء.. حرية العقل لا حرية الشهوة.. أمر الله عباده أن يتأملوا في ملكوته، وأن يرسلوا أفكارهم هنا وهناك تتدبر آيات الكون، وتقرأ بين ثناياها سطور الحكمة العالية. ((فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا))، ((فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ))، ((أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج)).
(من كتاب: هذا ديننا).