حين يُعدم الأسير يوقّع الطغيان شهادة نهايته
يتجلى الظلم والطغيان في أبشع أشكاله عندما يجري التفاخر بإعدام أسير كان يكافح من أجل حرية بلاده واستقلالها، لا هو بالمجرم ولا هو بالقاتل السفاح المتسلِّط على غيره ظلما وعدوانا. ويتعمق هذا الظلم أكثر عندما يكون المتفاخر بإعدام الأسير محتلا لأرض الأسير نفسه، طاردا سكانها منها، مُدرِجا كل رافض لذلك ضمن قائمة المرشحين للأسر والإعدام. وقد تعمَّق هذا الظلم اليوم في فلسطين على يد صهاينة متعطشين للدماء، كما تعمق أمس بالجزائر في أثناء ثورتها التحريرية على يد غلاة الكولون المفتخرين بوضع رؤوس عشرات الجزائريين تحت المقصلة وقطعها بلا شفقة ولا رحمة، فقط لأنهم نادوا بتحرير بلدهم من استعمار غاشم معتد وظالم دام لعشرات العقود.
هي الطبيعة الفاسدة والمريضة ذاتها التي حركت أولئك بالأمس، تُحرِّك هؤلاء اليوم، والمصير ذاتُه ينتظرهم.
قتل الفرنسيون ملايين الجزائريين منذ وطئت أقدامهم التراب الجزائري غزاةً محتلين، ونكّلوا بجثثهم ولم يتركوا وسيلة قتل وتعذيب ونفي إلا مارسوها، وما زالوا يحتفظون بجماجم شهداء تلك الحقبة في متحفهم الباريسي الذين يسمونه ظلما “متحف الإنسان”، ويفتخرون بذلك! وكانت آخر ممارساتهم خلال ثورة التحرير المباركة ما بين سنتي1954 و1962 إذ بلغت مُحصِّلة جرائمهم مليونا ونصف مليون من الشهداء الأبرار… وكذلك فعلها قبلهم الرجل الأبيض في أمريكا حيث أفنى الهنود الحمر بكافة الوسائل لِنهب أرضهم والحلول محلهم إلى اليوم، وفعلها أيضا في أستراليا حيث لم يبق من السكان الأصليين “الأبوريجين” سوى عدد قليل، وفي إفريقيا وفي بقية القارات… وظن العالم أن ذلك العهد قد ولّى وأن الإنسانية قد بلغت درجة من الحضارة لِترفض الإبادة والقتل الجماعي والتهجير القسري، فإذا بمجموعة من سفَّاكي الدماء المجرمين تَظهر في فلسطين أكثر وحشية وأكثر إجراما تُذكِّرنا بكبار المجرمين الذين عرفهم تاريخ البشرية.. لا يكتفون باحتلال كل فلسطين، لا يكتفون بالإبادة الجماعية في غزة، لا يكتفون بالتطبيق المنهجي للجوع كسلاح، لا يكتفون بكل تلك الأساليب الوحشية التي جرى ويجري بها تعذيب أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في المساحة الأكثر كثافةً سكانية في العالم من دون ماء ولا غذاء ولا دواء بشهادة المؤسسات الأممية جميعها، وينتقلون إلى مستوى آخر من الظلم بالإعلان فرحين، هذه المرة، أنهم سيُعدِمون أسرى أفناهم الجوعُ والتعذيب والقهر في سجون المحتل الغاصب لعشرات السنين… هل يوجد ظلمٌ أكثر من هذا اليوم؟ هل يوجد أكثر تعطشا لسفك الدماء من هؤلاء الذين يزعمون أنهم حملة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم لشعوب المنطقة؟ هل بقي من مُبرَّر للتعامل معهم والاعتراف بهم والتطبيع معهم كما يدعو لذلك بعض الواهمين ممن صدَّقوا إمكانية التعامل والعيش جنبا إلى جنب مع هذا الصنف من الصهاينة الأشرار؟
يبدو أن ساعة الحقيقة تجلت اليوم، وأن ساعة الأمل قد اقتربت وقد بلغ الظلم في فلسطين مداه، ذلك أن قمة الطغيان تؤذن دائما باقتراب نهايته. ولم يعد اليوم هناك في العالم طغيانٌ وظلم أكبر كالذي يجري في فلسطين ومن حولها، لا يكتفي بإشعال الحروب باستمرار والعدوان على الآمنين، ولا يكتفي بامتلاك أسلحة الدمار الشامل من دون غيره في المنطقة والتهديد باستخدامها، ولا يكتفي بالافتخار بأنه يملك أكبر ترسانة عسكرية ويده في يد أقوى جيش في العالم، وأنه قادر على البطش بها في أي مكان، بل يصل به الجبروت إلى أن يستقوي على أضعف الحلقات أمامه، أسرى لا حيلة لهم، ذنبهم الوحيد أنهم مارسوا حقهم المشروع في الدفاع عن النفس والسعي لتحرير بلدهم من الاحتلال الغاشم، لِيعلن الشروع في إعدامهم تباعا باسم القانون ابتداء من اليوم!
هل سينجح هؤلاء المعتدون في مهمتهم؟ بكل تأكيد لا، كما فشل من سبقهم بمثل هذه الممارسات سيَفشلون هم أيضا، ذلك أن الظلم منذرٌ بزوال العمران، وما كانت نهاية الطغاة في كل مرة إلا بعد أن بلغوا قمة الظلم وسفك الدماء.. وهكذا هم الصهاينة اليوم في فلسطين، ومِثلُ مَن سبقهم: لقد وقَّعوا اليوم شهادة نهايتهم وهم يعتقدون أنهم وقَّعوا قانون إعدام أسرى سيرتقون شهداء في سبيل تحرير وطنهم المُفدَّى فلسطين المحتلة… إنها بداية التحرير الحقيقية.