“حزب الله” في قلب العاصفة… استراتيجيات متعددة بين الحرب والبقاء الداخلي
يقدّم الباحث محمد فواز، في تحليل معمّق نشره مركز “مالكوم كير كارنيغي” للشرق الأوسط، قراءة شاملة لإستراتيجية “حزب الله” في ظل الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية، معتبرًا أن الحزب لا يخوض مواجهة عسكرية تقليدية بقدر ما يدير صراعًا مركّبًا تتداخل فيه الحسابات الميدانية مع الأبعاد الإقليمية والتوازنات السياسية الداخلية.
تثبيت معادلة استنزاف الاحتلال
مع دخول الحرب شهرها الثاني، يوضح الباحث محمد فواز أن “حزب الله” يسعى قبل كل شيء إلى تثبيت معادلة الاستنزاف في مواجهة إسرائيل، من خلال الحفاظ على وتيرة عمليات عسكرية منتظمة تشمل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويرى الباحث محمد فواز أن الهدف من هذه الاستراتيجية لا يكمن في تحقيق حسم سريع، بل في فرض ضغط دائم على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإرهاق منظوماتها الدفاعية، بما يخلق حالة من عدم الاستقرار المستمر ويجبر تل أبيب على إعادة حساباتها.
ويضيف الباحث محمد فواز أن هذا النهج يعكس إدراكًا من الحزب لطبيعة الحرب الطويلة، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها على مستوى الإمداد والتسليح، بعد التغيرات التي شهدتها الساحة السورية. لذلك، فإن الحفاظ على “إيقاع النار” يصبح بحد ذاته إنجازًا استراتيجيًا، لأنه يضمن بقاء الحزب طرفًا فاعلًا في المعادلة.
وفي سياق متصل، يؤكد الباحث محمد فواز أن أحد أبرز مرتكزات استراتيجية الحزب يتمثل في ربط الجبهة اللبنانية بالمواجهة الإقليمية الأوسع، لاسيما بين إيران والمحور الأمريكي الإسرائيلي. ويشير الباحث محمد فواز إلى أن هذا الترابط يتجلى في التنسيق العملياتي بين “حزب الله” وطهران، سواء من خلال الهجمات المتزامنة أو عبر تبادل الأدوار في استهداف إسرائيل، ما يهدف إلى تشتيت قدراتها الدفاعية وإضعاف قدرتها على التركيز على جبهة واحدة.
صراع إقليمي مفتوح
ويحذّر الباحث محمد فواز من أن قراءة الحرب من زاوية لبنانية ضيقة قد تؤدي إلى سوء فهم طبيعتها الحقيقية، إذ إن ما يجري، وفق تحليله، هو جزء من صراع إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات الاستراتيجية لدول كبرى وقوى إقليمية، وليس مجرد مواجهة حدودية بين طرفين.
أما على المستوى الميداني، فيبرز الباحث محمد فواز تحوّل “حزب الله” نحو تكتيكات قتالية مرنة، تقوم على استنزاف القوات الإسرائيلية بدل مواجهتها بشكل مباشر. ويشير الباحث محمد فواز إلى أن الحزب يعتمد على وحدات صغيرة ومتحركة، تستخدم الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، وتنفذ عمليات نوعية، إضافة إلى تكثيف استخدام الطائرات المسيّرة. ويهدف هذا الأسلوب، بحسب الباحث محمد فواز، إلى إبطاء أي تقدم بري إسرائيلي، ورفع كلفة العمليات إلى حد يدفع إسرائيل إلى تقليص أهدافها أو إعادة النظر في استراتيجيتها.
غموض أهداف الاحتلال
وفي المقابل، يلفت الباحث محمد فواز إلى أن الغموض الذي يحيط بالأهداف الإسرائيلية، والتباين في تصريحات مسؤوليها، يعززان من قدرة الحزب على المناورة، حيث يستفيد من غياب رؤية واضحة لدى خصمه لتحويل المعركة إلى حرب استنزاف طويلة.
وعلى الصعيد الداخلي، يضع الباحث محمد فواز تركيزًا خاصًا على التحديات السياسية التي يواجهها “حزب الله” داخل لبنان، معتبرًا أنها لا تقل خطورة عن التهديد العسكري. فقد اتخذت الدولة اللبنانية، وفق الباحث محمد فواز، خطوات غير مسبوقة، من بينها حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، والتلويح بإمكانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وصولًا إلى قرارات تصعيدية مثل طرد السفير الإيراني.
ويرى الباحث محمد فواز أن هذه الإجراءات تعكس تحوّلًا في موقف الدولة اللبنانية، ومحاولة لإعادة فرض سيادتها على قرار الحرب والسلم، وهو ما يشكّل تهديدًا مباشرًا لنفوذ الحزب. وردًّا على ذلك، اعتمد “حزب الله”، بحسب الباحث محمد فواز، استراتيجية مضادة تقوم على التصعيد السياسي والشعبي، من خلال حشد أنصاره في الشارع، ورفع سقف الخطاب تجاه الحكومة، في رسالة واضحة مفادها أن استهدافه داخليًا لن يمر من دون رد.
كما يشير الباحث محمد فواز إلى أن الحزب يعمل بشكل حثيث على الحفاظ على تماسك بيئته السياسية، خاصة في علاقته مع حلفائه، وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث يسعى إلى منع أي انقسام داخل الساحة الشيعية قد يُستغل لإضعافه.
رفض للتنازل السياسي
ويؤكد الباحث محمد فواز أن “حزب الله” يرفض تقديم أي تنازلات سياسية خلال فترة الحرب، انطلاقًا من قناعته بأن أي تراجع في هذه المرحلة قد يُترجم إلى خسارة استراتيجية يصعب تعويضها لاحقًا، خاصة مع تصاعد الدعوات إلى تقليص نفوذه أو حتى حظره.
وفي خلاصة تحليله، يرى الباحث محمد فواز أن مستقبل “حزب الله” سيتحدد إلى حد كبير بنتائج هذه الحرب. فإذا تمكن من الصمود والحفاظ على بنيته العسكرية والسياسية، فإنه سيعمل على تقديم ذلك كـ”انتصار”، مستثمرًا إياه لتعزيز موقعه الداخلي. أما إذا تعرض لخسائر كبيرة أو ضغوط داخلية متزايدة، فقد يجد نفسه أمام مرحلة جديدة من التحديات قد تعيد رسم دوره في لبنان والمنطقة.
ويختم الباحث محمد فواز بالتأكيد على أن المشهد اللبناني مرشح لمزيد من التعقيد، في ظل تداخل العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمآلات الصراع، لكنه يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين التسوية والتصعيد.