الرأي

حساسية زائدة

الشروق أونلاين
  • 2496
  • 5

في كتاب “كفاحي” الذي يروي مذكرات هتلر، نفهم لماذا كره زعيم النازية اليهود عندما شاهد في فيينا. يهوديا مختلفا شكلا عن الجنس الآري، ولماذا حاربهم وأسماهم بالجرذان القذرة، ولكننا نفهم أيضا أن عنصرية الزعيم النازي طالت كل الأمم، وهو لم يفعل ذلك لسواد عيون العرب والمسلمين، وإنما لأنه كان يقول أن الأفكار الماركسية إذا امتزجت بالأفكار اليهودية ستولّد خرابا مدمرا في الدنيا، وكان مقتنعا أن الآريين هم شعب الله المختار، وفي مذكرات ترومان، التي روى فيها نهاية الحرب العالمية الثانية، نفهم لماذا كره الزعيم الأمريكي اليابانيين، ولم يهتم كثيرا بضحايا القنبلتين الذريتين فكان وكأنه مشهد لإبادة الجرذان، ولكننا نفهم أيضا أن ترومان كان يريد استعلاء الأمريكان وحدهم، وتخويف كل الشعوب، وهو لم يفعل ذلك لضيق عيون الصينيين، وفي أحداث ليبيا التي هزت عرش الزعيم الليبي الراحل، لا أحد فهم لماذا وصف معمر القذافي، الذين ثاروا ضده بالجرذان، وكيف يسمّى قائد رعيته بهذا الوصف البذيء الذي لا يليق برجل يزعم أنه الزعيم، ولكننا لا نفهم لماذا تصبح “الحساسية” من كلام رجل مات وشبع موتا، أو كما تقول الصحافة الليبية “شبعت منه نار جهنم”، حجة لأجل أن تقرع طبول الخلاف، ولماذا يستبيح بعض الليبيين علم بلد يعلمون أنه من دم شهدائه، والكل يعلم أن بعض المناصرين يستعملون بعض الكلمات لإثارة عصبية اللاعبين، ولم نسمع في التاريخ أن لاعب كرة غادر الملعب بسبب كلام مناصر، ولا عن حرق لأعلام بلد لأن مناصر أو مجموعة من المناصرين أو لنفرض جميعهم تنابزوا بالألقاب، رغم أن مارادونا كان يُلقب من المدرجات الإيطالية بالمدمن القذر، وميسي بالمونغولي الأبله، وحتى الجوهرة البرازيلية بيلي، قال أنه في عام 1958 عندما فازت البرازيل بكأس العالم في عاصمة البياض والشقراوات استوكهولم، كتبت الصحافة السويدية عنه: “إنه أسود مثل القرد ولكنه فنان باهر”.

ومازلنا نخشى أن تتحول ثورات الربيع العربي إلى مزيد من الفراق والخلاف بين شعوب يجمعهم الدم واللغة والجغرافيا والتاريخ والدين، وإذا كانت ثورات أمريكا الوسطى قد وحدت بين شعوب المنطقة، ونسفت خلاف الكرة الذي تحول إلى حرب بين الهندوراس والسالفادور، وإذا كانت ثورات البيريسترويكا قد جمعت بين شعوب أوروبا الشرقية وأدخلتها أفواجا في جنة الاتحاد الأوروبي المغلق بالأقفال في وجه تركيا، وإذا كانت الثورات الصناعية قد وحدت بين الأوروبيين وجعلتهم كالبنيان الاقتصادي المرصوص يشد بعضه بعضا، فإننا لا نفهم لماذا زادت الهوة بين سوريا ومصر، وتزيد بين ليبيا والجزائر، بعد هذا الربيع العربي، ونكاد نجزم أن ما فعله الديكتاتوريون بالشعوب لم يفعله الذين يسمون أنفسهم بالديموقراطيين، بل إن ما فعله الاستعمار بالشعوب لم يفعله الذين يسمّون أنفسهم بالوطنيين، وعندما تقوم ثورة مباركة في تونس وأخرى مباركة في مصر، وتضربان مثلا في قوة الشعوب، ولا تسقط التأشيرة في التعامل بين البلدين المسلمين والعربيين والإفريقيين، فإن القول بأن الثورة حققت أهدافها وحتى جزءا من أهدافها يصبح خبالا.

يعرّف الجرذان بأنهم فئران ضخمة سوداء اللون تتلف المحاصيل وتأكل جثث بعضها، وإذا لم نلتفت إلى ما حققته الشعوب الأخرى، وتحولت ثوراتنا إلى أحقاد تتلف خيراتنا وتمنحها لبقية البلدان، ونأكل بعضنا ونحرق أعلام جيراننا التي هي أصلا أعلامنا، فإننا نخشى أن ينطبق تعريف الجرذان على هذه الأفعال.. إن لم يكن قد انطبق فعلا؟.

مقالات ذات صلة