الرأي

حسبتها سْتِيلُو

أقسم الله – عز وجل- بأشياء ليلفت نظر الناس عموما، والمؤمنين خصوصا، إلى أهميتها الكبيرة وقيمتها العظيمة، فقد أقسم بالعصر – صلاة أو وقتا- وأقسم بأجزاء من هذا العصر، كالفجر، والضحى، والليل، وأقسم بالنفس، وأقسم بالبلد الأمين، وما يعقل ذلك إلا من أتاهم رشدا.

ومما أقسم به الله – سبحانه وتعالى- في أوائل ما أنزل من كتابه الكريم قوله – عز من قائل-: “ن، والقلم وما يسطرون”، بعدما نبّهنا إلى هذا القلم في أول ما أنزل من هذا الكتاب الذي لا ريب فيه، حيث جاء قوله تعالى في سورة العلق: “اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم”، هذا القلم الذي ورد في الحديث النبوي الشريف أنه أول شيء خلقه الله – عز وجل-

ومن جميل ما قرأت أن العقل البشري هو المخبر الذي ولدت فيه الحضارات البشرية، وأن القلم هو الذي سجّل تلك الحضارات وقيدها، ليستفيد منها الإنسان فيما يأتي من أعصار وأزمان..

ويوم أدركت أمتنا الإسلامية قيمة هذا القلم، وفقهت أهميته ودوره بذلت النفائس في سبيله، فبلغت به مكانا عليّا، وأنشأت روائع الأفكار، وبدائع الآثار أشاد بها ذوو الألباب، حتى إذا تنكرت لهذا القلم، وهجرته انحطت من عل، وتردت إلى أحط الرتب، وصارت أضحوكة للضاحكين، وسخرية للساخرين، وستبقى كذلك حتى تعيد للقلم من مجده ما قد ذهب.. عناية به، وتكريما لأهله، ورفعة لشأنه، وخرجت من الاهتمام بأصحاب الأقدام إلى تبجيل أصحاب الأقلام.. فالأقلام كما يقول الإمام الإبراهيمي هي “التي تنفع وتدفع، وترفع، وتسفع، وتشفع… فهي تنفع القريب، وتدفع الغريب، وترفع القناع عن المريب، وتشفع للمنيب، وتسفع المعتدين بالناصية”. وما الحضارة إلا ثلاثة أمور هي “القلم المحرّر، واللسان المعبّر، والعقل المدبّر”. (آثار الإبراهيمي 4/208).

إن بعض الناس لا يرون القلم بهذه الأهمية، ولا ينزلونه هذه المنزلة السامية، وأمثلهم طريقة من يقدره للمادة التي صنع، ذهبا كانت أو لجينا، أو قصبا.. ومما أذكره في هذا الشأن أنه كان معنا في الخدمة الوطنية شاب مازحه زملاؤه فخبّأوا له بندقيته وألهوه عنها ببعض الأمور … وبينما هم كذلك حضر قائد الفصيلة وأعطى أمره بالتحرك، فراح ذلك الشاب يبحث عن بندقيته، متوعدا من فعل فعلها به.. واضطر إلى أن يخبر قائد الفصيلة، الذي غضب غضبة مضرية، وأوعد الطالب المتهاون، كما أوعد من فعل الفعلة.. ومما قاله لذلك الشاب، وهو ينزل عليه وابلا من الكلمات الخشنة: “واش حسبتها ستيلو”، أي هل حسبت البندقة قلما؟

احتقارا لشأن “استيلو”، واستهانة به، وما علم ذلك “الجاهل” أن الله – عز وجل- أقسم بالقلم، وما علم ذلك “الجاهل” أن “الستيلو” هو الذي اخترع تلك البندقية، واخترع المدفع، والصاروخ، والطائرة، والباخرة، والغواصة، وكل المنتجات الحضارية، وصدق من قال: “عندما بدأت الإنسانية تسطر بالقلم ظهرت الحضارة”.

مقالات ذات صلة