هل الجمعة هي أثقل أيامك؟!
هي كلمات أسطرها بمداد المحبّة لأوجّهها إلى إخوان لي في الله، لم يزل بهم إبليس حتّى هجروا المساجد وما عادوا يسلكون لها طريقا إلا للأعياد والجمعات، ثمّ لم يزل بهم حتّى تأخّروا في الحضور إلى الجمعة إلى آخر السّاعات، بل آخر اللّحظات.. منهم من يجلس بعيدا عن المسجد ينتظر على أحرّ من الجمر انقضاء الخطبة والصّلاة، ومنهم من توسّط الإمام خطبته وهو لا يزال يجرّ قدميه إلى بيت الله لكأنّما يقاد ليصلب أو يشنق!
إنّها محنة من أعظم المحن، أنْ أصبح يوم الجمعة عند كثير من المسلمين كسائر الأيام، بل ربّما صار عند بعضهم أثقل الأيام، لا تكاد تسمع إلاّ من يشكو ثقل ساعات هذا اليوم على نفسه، ويتحدّث عن قضاء أغلبها في النّوم وتصفّح الهاتف.. ولا شكّ أنّ هذه الأحوال من آثار الغفلة عن تعظيم شعائر الله، وعن معرفة قدر هذا اليوم العظيم الذي خُصّت به أمّة الإسلام.
تأمّل أخي المؤمن حالك؛ تسهر ليلة الجمعة إلى منتصف الليل أو ما بعده، ثمّ تنام مرهقا لتستيقظ بعد طلوع الشّمس، بل ربّما قبل أذان الجمعة بوقت قصير، وقد بال الشّيطان في أذنيك.. تتمايل يمنة ويسرة حتّى إذا رفع الأذان الثاني للجمعة قمت فألقيت سجادة على ظهرك، ثمّ خرجت تجرّ قدميك كأنّما تقاد لتقتل. لا يهمّك أن تصلّي داخل المسجد أو خارجه أو في الطّريق، المهمّ أن تلقي عن ظهرك هذا الحمل الثّقيل، حمل صلاة الجمعة.. أمّا خطبة الجمعة فربّما لا تسمع منها إلاّ قول الإمام: “وقوموا إلى صلاتكم أثابكم الله”!
أيّها الأخ الحبيب… أما علمت أنّ يوم الجمعة هو أحبّ الأيام إلى الله ربّي وربّك الذي خلقني وخلقك ويرزقني ويرزقك ويملك أجلي وأجلك.. في يوم الجمعة خلق الله أبانا آدم عليه السّلام، وفيه أنزل إلى الأرض، وفيه قَبض الله روحه، وفيه ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله شيئا من خيري الدّنيا والآخرة إلاّ أعطاه الله إياه، وفيه تقوم السّاعة، فما من ملك مقرب ولا دابّة تدبّ في هذا الكون إلا وتصبح في هذا اليوم خائفة مشفقة تترقّب ما سيكون، إلاّ بعض الغافلين من الإنس والجنّ.
أخي الكريم… ربّما لا تعلم أنّ فضل هذا اليوم بين أيام الأسبوع، كفضل رمضان بين أشهر السّنة، فما بالك تعقد العزم على التّوبة وتسعى لإصلاح حالك مع حلول رمضان، بينما تغفل عن كلّ هذا يومَ الجمعة؟ ربّما تنسى –أخي المؤمن- أنّ ساعة الإجابة في آخر يوم الجمعة قبل الغروب، هي كليلة القدر في رمضان، فأين أنت من هذا الفضل العظيم؟.. أما علمت أنّ الحنّان المنّان –سبحانه- يبعث في هذا اليوم ملائكته على أبواب المساجد بُكرة ليستقبلوا عباده المبكّرين ويسجّلوا أسماءهم في سجلّ السّعداء الفائزين؟ فلماذا تصرّ على حرمان نفسك هذا الشّرف؟
أخي الحبيب لعلّي سأضرب لك مثلا أرجو أن تتدبّره وتتفكّر بعد ذلك في حالك.. ما ظنّك لو أنّ الوالي أو رئيس البلدية كلّف أناسا يقفون على أبواب المساجد يوم الجمعة ليوافوه بأسماء المبكّرين ليجعل لهم هدايا وعطايا بحسب تبكيرهم، فبالله عليك كيف سيكون موقفك؟ هل ستتأخّر إلى آخر ساعة؟
أخي الكريم، ألا ترى كيف تُمضي السّاعات الطّويلة في الطّوابير أمام مكاتب البريد لسحب مرتّبك الشّهري، وتبكّر لأخذ موعد متقدّم مع طبيب من الأطبّاء؟ أ لهذا الحدّ هان عليك ما عند الله؟ أفلا حياء من الله أيّها الأخ الحبيب؟! إنّه لحري بك -أخي المسلم- أن تستحي من ملائكة الرّحمن أن يعهدوك من المتخلّفين ومن الزّاهدين في فضل أكرم الأكرمين.. افتح قلبك أخي واقرأ معي بعقلك وقلبك هذا الحديث من مشكاة النبوّة، يقول الحبيب -عليه الصّلاة والسّلام-: “من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع وأنصت ولم يلغُ، كان له بكلّ خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنة أجر صيامها وقيامها”؛ تغتسل يوم الجمعة وتبكّر إلى المسجد ماشيا وتدنو من الإمام وتنصت لكلامه، فيكتب لك بكلّ خطوة تخطوها أجر سنة من صيام وقيام.
أخي المؤمن؛ يا من تتأخّر في حضور الجمعة. لعلّ هذه الأجور وهذه الخيرات لم تحرّك فيك ساكنا. ألا فاقرأ معي هذا الوعيد في حقّ المتأخّرين والزّاهدين في الصفّ الأوّل: يقول نبيّنا -عليه الصّلاة والسّلام-: “لا يزال قوم يتأخّرون عن الصفّ الأوّل حتى يؤخّرهم الله”؛ هذا فيمن يتأخّر عن الصفّ الأوّل، كيف بمن لا يصلّي في المسجد إلاّ الجمعة ولا يأتيها إلاّ مع الأذان الثاني أو بعده؟ يا من تجرّ قدميك إلى بيت الله يوم الجمعة جرّا، أما سمعت قول الله -عزّ وجلّ- وهو يصف حال المنافقين: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)).. أنت مؤمن يا أخي ولست منافقا؛ فاتّق الله في نفسك.. اتّق الله وتب إليه قبل أن يختم على قلبك فتكون من الغافلين.. بالله عليك أيّ شغل هذا الذي يجعلك تتأخّر عن صلاة الجمعة إلى آخر الدّقائق واللّحظات؟ أيّ متاع يستحقّ أن تضيّع لأجله كلّ تلك الأجور؟ أما سمعت أخي قول المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- وهو يتحدّث عن الصّلاة: “من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف”، يقول العلماء: “من شغله ملكه عن الصّلاة حشر مع فرعون، ومن شغله منصبه حشر مع هامان، ومن شغله ماله حشر مع قارون، ومن شغلته تجارته حشر مع أبيّ بن خلف”.. فيا أيّها الأخ الحبيب؛ أترضى أن تحشر مع فرعون أو مع هامان أو مع قارون أو مع أبيّ بن خلف؟ سلّمني الله وإياك وجميع المسلمين، وحشرني وإياك وجميع المسلمين والمسلمات في زمرة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام.
أخيّ الحبيب؛ كن عاقلا واحذر النّفس والشّيطان أن يردياك.. إنّك متى ما أسلمت قيادك لنفسك واتبعت هواها فلن يستقيم لك حال، وإنّك متى ما ملأت قلبك بدنياك فلن تتفرّغ لأخراك ولو كان رزقك يأتيك صباح مساء إلى بيتك، ولو كان لك العشرات من الخدم، يقول الله -تبارك وتعالى- في الحديث القدسيّ: “يا بن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسدّ فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسدّ فقرك”.