الرأي

“حصاد” من دون حصاد!

تُفضل السلطة في نهاية كل سنة، أن تمضي على قانون المالية الجديد، الذي يخص لقمة عيش المواطنين، من خلال محاولة الموازنة ما بين دخل البلاد المالي، القادم من غيث النفط فقط، وما بين احتياجات المواطنين التي هي بالكامل استهلاك من أكل ولبس وحتى من تبذير، وتفضل غالبية القطاعات وبعض المواطنين، اتخاذ قراراتهم المصيرية في الحياة، مع نهاية كل سنة ميلادية من خلال ما يسمونه بحصاد السنة الذي يهدمون فيه جسورا، ويبنون أخرى وهمية، طمعا في سنة جديدة تعود عليهم بالخير، ولكن الملاحظة التي نسجلها في كل سنة، هي أن هذا الحصاد يبقى من دون معنى لأنه يقدّم أحيانا تشخيصا، من دون علاج، وفي الغالب يخطئ التشخيص أصلا.

ولا تجد الفضائيات والصحف الجزائرية، مثل وسائل الإعلام العربية، ما تقدمه في “حصادها”، غير المآسي، ومع ذلك تصرّ على تسميته بالحصاد. ففي الوقت الذي تحتفل بعض البلدان في حصادها بأبطالها محطمي الأرقام القياسية والحاصلين على الألقاب، وحائزي جائزة نوبل في مختلف العلوم، نجد نحن بالمقابل، صعوبة في تعيين شخصية الموسم، في مختلف المجالات، فبلادنا وجدت في مراتب متأخرة عالميا، وحتى إقليميا في كل القطاعات، وحتى كرة القدم التي منحتنا بعض السعادة في السنوات الماضية، عجزت عن تقديم “حصادها” فكانت هذه السنبلات اليابسات، عبارة عن خيبات متتالية شكّلت “حصاد” الموسم كما شكلته في المواسم الماضية خيبات أخرى.

فقد صنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرحة الصهاينة من خلال قراره المبرمج منذ عقود، لنهاية سنة 2017 بتحويل القدس إلى عاصمة للكيان الصهيوني، وصنعت أحداث سوريا والعراق واليمن و”الروهينغا” مآسي المسلمين، وبعث الحوت الأزرق وقوافل الحراقة ألم الجزائريين، وحتى بعض الابتسامات التي حاول بعض الإعلاميين تقديمها في ما سمي مجازا “حصادا” كانت من ألم الناس، فجاء شرّ البلية ما أبكى وأيضا ما أضحك، وما كدنا نجد على مدار السنة ما أثلج الصدور، وأسهم كالعادة في هذا “الحصاد” المرّ، من كانوا في القمة، وأيضا من كانوا في القاعدة. 

لم يعد يفصلنا عن بداية السنة الجديدة 2018 إلا بضع ساعات، سيكون بعدها يوم الإثنين الفاتح من جانفي يوما للعطلة، وبعده أيام أو سنة كاملة للعطلة أيضا، فقد ناقش الكثير من الجزائريين قرار تدريس اللغة الأمازيغية في المقررات الدراسية، لأنه يعني البذل والجهد، ولكنهم جميعا هلّلوا لقرار اعتبار بداية السنة الأمازيغية يوم عطلة مدفوعة الأجر، حتى صرنا البلد الأكثر احتفالا بالأعياد مدفوعة الأجر، التي جمعت كل الأعراق وكل الأديان و”العَطل” واحد.

هل يمكن أن يأتي الحصاد من سنة جافة، لا سنبلات خضرا فيها ولا يابسة، هل نرضى بأن يبقى الألم مسيطرا على الأمل، هل نرضى بأن يبقى مرادف كلمة حصاد هو المآسي؟ 

مقالات ذات صلة