حضر الجميع .. وغاب المواطن
يسدل اليوم المترشحون لتشريعيات 10 ماي الستار على حملتهم الإنتخابية، وسط حصيلة متفاوتة في الشكل من حيث النشاط وعدد التجمعات واللقاءات، ونتيجة واحدة في المضمون تلخصت في فتور الحملة وبقائها محتشمة إلى لحظة لفظ أنفاسها، وعنف وتجاوزات بالجملة زادت من عدم إكثرات المواطن بما يقوله المترشحون، وقناعة بإفلاس خطابات غالبية السياسيين و”ديماغوجية” اغتالت الاقتراع قبل أن يولد.
اليوم تنتهي حملة التعبئة والتجنيد التي نشطها 44 حزبا، وأزيد من 100 قائمة قدمت فرسانا لسباق التشريعيات المقررة الخميس القادم، وطيلة ثلاثة أسابيع كاملة صال وجال فيها رؤساء الأحزاب ومرشحيهم وحتى الأحرار منهم غالبية الولايات، محاولة منهم إيهام المواطن باختراق المناطق المحظورة والمحرمة، إلا أن هذا الجهد لم يرق لمستوى إقناع المواطن للخروج من دائرة عدم الإكثرات واللامبالاة، فالحملة انطلقت محتشمة لدرجة الفتور، وبقيت باردة وتلفظ اليوم أنفاسها “صاقعة” البرودة، كما انطلقت يوم 15 أفريل الماضي، فرغم الأرقام المتباينة في عدد التجمعات والخرجات التي أحصتها الحملة الانتخابية لكل طرف من أطراف الحملة، إلا أن هذه الأرقام تقف عاجزة عند مجموعة من الحقائق شكلت حلقات مسلسل الحملة الانتخابية.
فبرودة الحملة وفتورها لم تنتج أعصابا باردة، فالعنف شكل أهم حلقة على الإطلاق في مسلسل الحملة الإنتخابية، فالكثير من رؤساء الأحزاب السياسية كانوا عرضة لاعتداءات من طرف مواطنين في تجمعاتهم التي نشطوها، والتي شكلت محطة للثأر من خطابات ووعود سابقة أضاعت طريق التجسيد، ورغم التراشق بالتهم بين المتنافسين في محاولة جعلها اعتداءات مبررة، يبقى الأكيد أن أن أبوجرة سلطاني تعرض لإعتداء، وجاب الله مثله، والرقم الثاني في قائمة الأفلان كاد يفقد حياته حرقا، واعتداء آخر لحق مرشحة بقالمة، ناهيك عن تعرض العديد من المداومات للحرق آخرها مداومة بولاية جيجل.
كل المؤشرات توحي بعدم اقتناع المواطن بخطاب المرشحين للموعد الانتخابي، فالطابع الروتيني أفقد الحملة جاذبيتها وانطلاقتها الفاترة المحتشمة جدا فصلت في أمر مصيرها وجعلت الموت حليفها، فالدعوات التي بقيت تتأرجح بين التغيير و =المشاركة المكثفة خوفا من العزوف، ألهت المرشحين عن إبداع أدوات إقناع جديدة جعلت تجمعات نظمتها أحزاب بقاعات نصف فارغة وأخرى فارغة، أرغمت أصحابها على إلغاء تجمعاتهم مثل ما حدث مع عبد الله جاب الله الذي أرغمته قاعة خاوية على عروشها بولاية الأغواط على إختلاق حجة عطب في السيارة حال دون وصوله من الجلفة إلى الأغواط، وهي الحجة التي أرادها جاب الله للحفاظ على ماء الوجه.
عدم الإكثرات هذا واللامبالاة عكستها ديكورات المدوامات التي ضمنتها الأحزاب في مقراتها وحتى اللوحات الإشهارية بقي غالبيتها فارغا، والمساحات التي خصصت لشحن الناخبين وإثارتهم للتفاعل مع الإنتخابات أضحت مساحات للتنفيس عن ضيق المواطن من ظروفه المعيشية، فالبطاطا زاحمت المرشحين، وكشفت عن رواسب ماضية وسوابق للمواطن مع مواعيد انتخابية جعلته لا يثق أبدا في أحد، وغير آمل في أرمادة الأحزاب الحديثة النشأة، فالأسس السياسية اللازمة لتعبئة الهيئة الناخبة غائبة، إلا أن استغلال
“الشكارة” وتأجير الغلابى لملء القاعات كان حاضرا بقوة، وشكل أحد وسائل إقناع المواطن بمنطقية عزوفه عن الحياة السياسية وصواب رأيه، خاصة وأن
“ديماغوجية”الخطاب الذي عرفته الحملة فضحت رؤساء الأحزاب، وكشفت أن لا برامج لهم عدا خطوط عريضة استنسخها الواحد عن الآخر، فأذابت كل التيارات في وعاء واحد رغم تصنيفاتها الإيديولوجية وتقسيماتها العائلية، فعدم التناسق وغياب الفعالية والتميز جعل غالبية الخطابات تبدو وعودا كاذبة غير قابلة للتحقيق، كما كشفت محاولات البعض الضحك على ذقون المواطن، لأن الوقوف عند الوعود المقدمة، خاصة في مجال السكن والتشغيل والقضاء على الفقر وتوزيع الري ، يحيلنا على حقيقتين، إما أن أصحاب الوعود يبيعون “الريح” للمواطن، وإما حقيقة أخطر وهي أن الكثير من الحالمين بمقعد النيابة البرلمانية لا يفرقون بين مهام السلطتين التشريعية والتنفيذية، هذه الأخيرة التي تبقى غير ذات صلة بنتائج التشريعيات، مادامت المادة المتعلقة بطبيعة النظام في الدستور لم تقل كلمتها وهي المهمة الموكلة للبرلمان القادم.
المرشحون يصمتون اليوم، والإقتراع بعد ثلاثة أيام، والنتائج بعد أربعة أيام، ويبقى الأكيد أن رهان الأحزاب هو عدد المقاعد، ورهان السلطة يتقدمها الرئيس بوتفليقة، هي نسبة المشاركة رغم أنها تتحمل جزءا من مسؤولية العزوف بسبب الغلق السياسي، ليبقى الجواب من إختصاص المواطن، فلصالح من ستكون كلمته الأخيرة؟