الرأي

حفـّارو القبور والعزة بالإثم!

جمال لعلامي
  • 3115
  • 6

من بين الأمراض القاتلة، التي تهزنا كجزائريين، أنـّنا نكاد نغرق ونحترق بإجراءات العقاب، وفي كثير من الأحيان بتداعيات الانتقام وتصفية الحسابات، لكنـّنا لا نلتفت أبدا إلى الذين يستحقون العرفان، بالمكافأة والتشجيع والدفع إلى الأمام، حتى لا يقتلهم الإحباط والشعور بالحڤرة!

علينا جميعا أن نساند قرارات تسليط العقاب على صنـّاع الفشل والمحرّضين على التكسار وإشعال النار، لكن أليس علينا جميعا، أن نتضامن مع الذين يستحقون التضامن والوقوف معهم ظالمين أو مظلومين، حتى لا تنكسر رغبتهم في العمل وإرادتهم في منافسة الرداءة والانتصار على منطق العزة بالإثم؟

لا ينبغي الدفاع عن الرؤوس التي أينعت وحان وقت قطافها، لكن يجب الدفاع عن الرجال الذين يستحقون كلّ العرفان والتقدير، والحمد لله، أن من هذا النوع، أفراد وجماعات مازالت واقفة تتعاطى مع مهامها ووظائفها بكلّ تفان وإخلاص، ولا يهمّها بعد ذلك جزاء ولا شكورا!

الحساب والعقاب، كآلية، تبقى أكثر من ضرورة، لتخويف العاجزين والفاشلين، وتشجيع المثابرين والناجحين، لكن من الأفيد كذلك، أن لا يُختزل الجزاء في المعاقبة دون المكافآة، لأن هناك العشرات والمئات والآلاف، من الإطارات والموظفين والمستخدمين الذين يجب مآزرتهم ولو بكلمة طيّبة !

مصيبتنا، أنـّنا أصبحنا لا نرى إلاّ الأسود، وأصابنا والعياذ بالله العمى وضـُربن بصيرتنا في دواخلها، وهذه طامة كبرى، تجعل الكثير منـّا للأسف، لا يرى ألوان الطيف، ويغمض عينيه أيضا عن قوس قزح!

لقد فعل المفسدون والمتقاعسون والمتكاسلون وحفـّارو قبور المشاريع والبرامج الشعبية، فعلتهم، وساهموا في دفن الأمل والثقة حية ترزق، ولذلك راحت الكفاءة في “كيل الزيت” وسيطرت المشاهد المأساوية على المشهد العام للبلاد والعباد!

نعم، هناك وزراء وولاة ورؤساء دوائر وأميار ومديرون ونواب، ومنهم السابقون واللاحقون، يستحقون السجن وربما الإعدام أو النفي إلى لوزوطو وأدغال إفريقيا، لكن ثمّة طينة أخرى من هؤلاء، تستحق الرعاية والمرافقة والدعم والإسناد، حتى تتوسّع العدوى ويصبح الوباء حتما مقضيا!

من بين المشاكل القاتلة، أن الأغلبية المسحوقة يُراد لها أن تنظر إلى النصف الفارغ من الكأس فقط، وتـُمنع منعا من النظر إلى النصف الثاني المملوء، وهذه رغبة أخرى في قتل كلّ ما هو جميل، وإجبار المتفرّج على متابعة أفلام الرعب والخيال فقط!

مصيبتنا، يا جماعة الخير، أنـّنا في كثير من الحالات والتجارب، سوّينا بين المخطئ والمصيب، وبين الضحية والجلاد، وبين المحرم والمجرم، وبين الذين يعملون والذين لا يعملون، والذين يعلمون والذين لا يعلمون، ومزجنا ماء الكفاءة بزيت الرداءة، فتفرّق دم الإنصاف وتحمّل المسؤولية بين القبائل!

في السياسة والاقتصاد والاجتماع والرياضة والثقافة والتربية والشؤون الدينية والتجارة، وعبر كلّ الهيئات والوزارات والإدارات، هناك مفسدون ومصلحون، أوفياء لعملهم ومحتالون، هناك أكفاء و”أياد مكسورة”، وهناك أيضا، وهذا هو الخطير: محترفون مولعون بالسطو على انتصارات الآخرين!

 

لا فائدة من تكاثر الأبطال بعد انتهاء “المعركة”، ولسنا بحاجة إلى أيّ جبان يفكـّر بساقيه حين يحلّ الخطر، بل إننا بحاجة جميعا، إلى من يؤمن بأن حريته تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين!

مقالات ذات صلة