حفلات النجاح تتحول إلى عرس بلا عروس
يبدو أن مظاهر الاحتفال البسيط بالنجاح الدراسي قد انتهت، وولى زمانها. فقد طغت مؤخرا طقوس جديدة، تشبه إلى حد بعيد طقوس الأعراس… تشكيلة كاملة من الملابس، حلويات تقليدية وأخرى عصرية، قاعة أفراح، “دي جي”، ألعاب نارية وعشاء فاخر… ظاهرة تتوسع، عاما بعد آخر، مدفوعة بثقافة الاستعراض على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى بات الكثير يحضرون أنفسهم مسبقا لاستقبال موسم النجاحات، كما يستقبلون موسم الزواج.
في ما مضى، كانت العائلات الميسورة تخصص ميزانية معتبرة لابنها الناجح، من أجل شراء حاسوب متطور، يساعده في البحث العلمي، أو تغطية تكاليف الدراسة في مكان مرموق، أو حتى خارج الوطن، أو تمويل تكوين متخصص، أو حتى الإسهام في مشروع مستقبلي للطالب… بينما تكتفي العائلات البسيطة بعشاء للأقارب والجيران، غالبا يكون قصعة كسكس، وهدية مشجعة للناجح. لكن دخول استعراضات المواقع على الخط، أطلق الجميع في سباق وهمي برتوكولي فارغ، للاحتفال بالنجاح، يشمل استئجار قاعة، وديكورا خاصا، وحلويات فاخرة، وعشاء جماعيا، وملابس للمناسبة، وجلسات تصوير، إضافة إلى الموسيقى والألعاب النارية.
ولم تعد هذه المظاهر حكرا على العائلات الميسورة، بل أصبحت هدفا تسعى إليه أسر متوسطة الدخل، خشية أن يبدو احتفالها متواضعا، مقارنة بما يشاهدونه يوميا على هواتفهم. يشير الأستاذ لزهر زين الدين، خبير في الشأن الاجتماعي، إلى أن “مواقع التواصل لم تعد تنقل الواقع، بل أصبحت تصنع معايير اجتماعية جديدة، تدفع الأفراد إلى تقليد ما يشاهدونه مهما كانت التكلفة”.
المفرقعات والألعاب النارية تحول الفرحة إلى ذعر
أصبحت المفرقعات والألعاب النارية أهم ثوابت احتفالات النجاح، في جميع المستويات العلمية، رغم تكاليفها الباهظة جدا، وما تشكله من أخطار حقيقية. فكل موسم نتائج يشهد إصابات بحروق وجروح، إضافة إلى حالات هلع وسط الأطفال وكبار السن، واندلاع حرائق في بعض الحالات، مثلما حدث في غابات خنشلة، مؤخرا، حيث توجهت مجموعة رفاق ناجحين للاحتفال في أعالي الجبال، بإطلاق ألعاب نارية، أدت إلى حرائق مهولة، وتدخل مصالح الحماية، وإعلان حالة استنفار في الولاية، فضلا عن الإزعاج الذي يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل.
وبالرغم من تحذيرات مختصين من أن استخدام هذه المواد داخل الأحياء السكنية، وبين الأطفال، يحول لحظة الفرح إلى خطر حقيقي، قد يخلف مآسي لا تنسى، تستمر مهرجانات النجاح في التوسع، عاما بعد آخر. تقول بلسم، متحصلة على باكالوريا 2026: “تحولت فرحة عائلتنا إلى هلع. فقد اقتنى أخي كيس مفرقعات نارية، للاحتفال. وانتظرنا حلول الظلام لتوثيق اللحظة. ولأنها أول مرة أمسك بها، ارتعشت يدي عند الفرقعة، اشتعل قميصي بشرارة خاطفة، واحترق كفي وذراعي، بينما أصيب أخي بحروق، وهو يحاول حمايتي. لقد قضينا تلك الليلة في الاستعجالات”.
حفلات لا تعكس مستوى أغلب الجزائريين
الضغط الاجتماعي الذي بات يمارس على عائلات الناجحين، هو ما يدفع الكثير منهم إلى تحدي ميزانيته، لإقامة وليمة تليق بطلب العائلة والأقارب والزملاء والجيران والأصدقاء. فهذا يطلب الحلويات، وآخر ينتظر الكعكة، والبعض يدعو نفسه على عشاء مميز. هذا الحرد الذي يمارس حتى على العائلات محدودة الدخل لا يسمح لها بالاعتذار إلى الجميع، في بيئة لا تعترف إلا بالمظاهر والشكليات، وتتهم الأولياء الذين يمتنعون عن إقامة العزائم كالبقية بالعزلة والبخل وعدم تقدير مجهودات الابن المتفوق، ما يدفعهم إلى الاقتراض غالبا أو استنزاف مدخراتهم لإقامة حفل لا يعكس بالضرورة وضعهم المالي الحقيقي.
وهكذا، يتحول النجاح من مناسبة للسعادة إلى عبء اقتصادي ونفسي. تقول السيدة زهية، صانعة حلويات من البليدة: “عندما حصلت ابنتي على شهادة التعليم المتوسط، اتصلت بي عشرات النسوة منهن زبونات، يرغبن في الحضور للمباركة. ولأن منزلي ضيق جدا، اضطررت إلى كراء قاعة أفراح. كل واحدة كانت تطلب نوعا من حلوياتي التي تذوقنها. وبطيب خاطر، كنت ألبي أذواق الجميع. وكان علي أن أبدو كسيدة أعمال، فأخذت طقما كلاسيكيا باهظا، بالإضافة إلى لباس التخرج لابنتي، وديكور الحفل ومصاريف أصناف متنوعة من الطعام والمشروبات، قضت على جميع مدخرات الأسرة، وديون لدى المتعاملين. كل هذا لإرضاء معارفي وإعطاء صورة لا تشبهني في الحقيقة”.