الجزائر
التحقيقات تثبت تورط مسؤولين رسميين في التزوير... و"الشروق" تنشر التفاصيل:

حقائق صادمة عن “إمبراطورية” لتهريب السيارات!

نوارة باشوش
  • 8871
  • 0
ح.م

50 متهما في الفضيحة… والمواطن البريء يتحوّل زورًا إلى متهم
مثول المتهمين للمحاكمة الأسبوع الجاري بتاريخ 22 جانفي 2026
هكذا تم التلاعب برخص المرور… ونظام “سيقاد” يكشف المستور

كشفت التحقيقات القضائية والأمنية في أكبر ملف لـ”إمبراطورية” تهريب سيارات، عن المخطط المحكم الذي يسير عليه أفراد العصابات الدولية، بتواطؤ عدد من موظفي البلديات وأعوان الجمارك، من خلال تزوير كامل للملفات القاعدية لمواطنين لا علاقة لهم بهذه الجرائم، عن طريق تدوين معلوماتهم من قائمة المواطنين أثناء تعليقها بالبلديات أو الدوائر لمختلف الأسباب، كمثولهم أمام لجان سحب رخص السياقة وقوائم الصيغ السكنية المختلفة، وهذا تزامنا مع فترة صدور قرار السلطات العليا للبلاد بوجوب تقريب الإدارة من المواطن، بتمكينه من الوثائق التي يرغب في الحصول عليها وقت طلبها، من دون أية عراقيل بيروقراطية، إلى جانب التلاعب بتصريحات المرور الجمركية المعروفة بـ”TPD”.
وتوصلت التحريات في ملف الحال، حسب معلومات دقيقة تحصلت عليها “الشروق”، لربط أفراد منظمة إجرامية دولية لتهريب السيارات علاقات وطيدة مع موظفين إداريين بمصلحتي الحالة المدنية والبطاقات الرمادية في بلدية باب الواد، والتي تفننت في تزوير كل أنواع الوثائق من بطاقات الهوية ورخص سياقة وبطاقات التعريف الوطنية إلى تراخيص الموافقة على الاستيراد وبطاقات السير المؤقت للسيارات، مرورا بالتصريحات الجمركية، وصولات التخليص الجمركي، وصولا إلى وصولات الشراء من مختلف الوكلاء المعتمدين للسيارات، فواتير البيع وشهادات الميلاد .
كما تبين أن هذه المنظمة الإجرامية، والتي سيمثل أفرادها للمحاكمة الأسبوع الجاري، بتاريخ 22 جانفي 2026، ممتدة في مناطق أخرى من التراب الوطني، على غرار ولایات بومرداس والبليدة وتيبازة في الوسط، وولايات سطيف وقالمة وجيجل في الشرق، وولايات وهران وتلمسان ومستغانم في الغرب، وولايات وادي سوف وتمنراست في الجنوب، مع ارتباط عناصرها بأفراد من الجمارك الجزائرية العاملين بالمراكز الحدودية والموانئ، حيث كشفت التحريات عن تسجيل دخول سيارات لم تخضع للرسم الجمركي وتم السماح بعبورها بموجب تصريح المرور الجمركي (TPD).

معطيات رهيبة عن التزوير الفاضح للملفات القاعدية
وتعود وقائع قضية الحال إلى نهاية شهر ديسمبر 2019، حيث وردت لفصيلة مكافحة تهريب السيارات التابعة للمقاطعة الغربية للشرطة القضائية بأمن ولاية الجزائر معلومات عن وضع للسير سيارات تم استخراج بطاقاتها الرمادية بملفات مزورة .
وعلى هذا الأساس، تم التنسيق مع مصالح بلدية باب الوادي، وحصر مجموعة من الملفات الخاصة بالسيارات المسجلة بترقيم: 16 – 00… وبعد تنقيط هوية مالكيها اتضح أن الهويات وهمية وأنهم لا يقيمون بالعناوين المدونة على بطاقات الإقامة المدرجة بالملفات القاعدية، كما أن كل الوثائق المدرجة بالملف مزورة، بما فيها: بطاقات الهوية، رخص سياقة وبطاقات التعريف الوطنية، تراخيص الموافقة على الاستيراد، بطاقات السير المؤقت للسيارات، التصريحات الجمركية، وصولات التخليص الجمركي، وصولات الشراء من مختلف الوكلاء المعتمدين للسيارات، فواتير البيع وشهادات الميلاد.

ومواصلة للتحقيق، بينت التحريات أن دوافع إيداع الملفات في بلدية باب الوادي خصيصا تعود للتسهيلات التي وضعتها مصالح هذه البلدية فيما يتعلق بتمكين المواطنين من بطاقات الإقامة وقبولها بملفات إيداع البطاقات الرمادية، وهو ما كان دافعا لربط أفراد المنظمة الإجرامية لعلاقات وطيدة مع موظفين إداريين بمصلحتي الحالة المدنية والبطاقات الرمادية.
كما تبين أن البطاقات الرمادية التي تم التحقيق في شأنها صدرت فعلا من مصلحة الحالة المدنية لبلدية باب الوادي، بعد تمكين المشتبه فيهم من شهادات إيواء لعناوين صورية من طرف أشخاص يقيمون بإقليم البلدية، وتزامن ذلك مع فترة صدور قرار السلطات العليا للبلاد، القاضي بوجوب تقريب الإدارة من المواطن بتمكينه من الوثائق التي يرغب في الحصول عليها وقت طلبها من دون أية عراقيل بيروقراطية وكذا مع فترة بدء رقمنة خدمات المصالح البلدية سنة 2016، حيث أن كل السيارات المسترجعة تبين أن بطاقات تسجيلها صدرت خلال تلك الفترة، وقد تم إحصاء 64 ملفا قاعديا مزورا لسيارات تم استرجاع 37 سيارة منها، وإصدار نشرات بحث عن 27 سيارة، 3 منها تبين أنها قد استرجعت من طرف المصالح الأمنية الأخرى.
وتنقسم السيارات محل التزوير، حسب ما توصل إليه محققو المقاطعة الغربية للشرطة القضائية بأمن ولاية الجزائر، إلى عدة أنواع: 9 سيارات تعرضت للسرقة داخل التراب الوطني، 5 سيارات محل بحث من طرف الانتربول تعرّضت للسرقة في دولة فرنسا بين سنتي 2016 و2017، 15 سيارة محل تهريب دولي أي مصدرها أجنبي، وهي متواجدة داخل التراب الوطنيمن دون علم مصالح الجمارك بها، 7 سيارات محل تضخيم لسنة السير، أي أنها في الأصل موجودة، لكن بسنة سير مغايرة، وبعد عرض السيارات على مهندس المناجم لمعاينتها من الناحية التقنية توصل إلى أن 18 سيارة غير مطابقة للمواصفات التقنية و19 سيارة مطابقة للموصفات التقنية.

وكلاء السيارات يتبرأون.. ونظام “سيقاد “يفضح المتورطين
بعد مراسلة الوكلاء المعتمدين للسيارات، تبين أن أغلب السيارات لم تسوق من طرفهم، أما تلك القليلة التي سوقت من طرف هؤلاء فلم تسوق لنفس الأشخاص المذكورين في الوثائق، ما يثبت أن جميع الملفات القاعدية مزورة بالكامل، كما كشفت حركة العبور بالمركز الوطني للإشارة ونظام المعلومات للجمارك الجزائرية أن اغلب السيارات بالرقم التسلسلي الموجود عليها غير معروفة بالنظام المعلوماتي
SIGAD””، اما تلك المعروفة لديهم، فقد أدخلت التراب الوطني من طرف رعايا اجانب من جنسية صحراوية وعددها 4 سيارات.
كما أثبتت التحريات المعمقة أن بطاقات التعريف الوطنية ورخص السياقة الموضوعة ضمن الملفات القاعدية للسيارات حملت صور مجهولي الهوية، أما الهويات المعروفة فهي لضحايا غير معنيين تماما بالقضية، بلغ عددهم 14 ضحية لا علاقة لهم بهذه الجرائم، حصل المشتبه فيهم على نسخ من بطاقات هوياتهم بطرق احتيالية أو عن طريق تدوين معلوماتهم من قائمة المواطنين أثناء تعليقها بالبلديات أو الدوائر لمختلف الأسباب كمثولهم أمام لجان سحب رخص السياقة وقوائم الصيغ السكنية المختلفة ويتعلق الأمر بـ25 شخصا، فيما تبين أن 7 سيارات قام المشتبه فيهم بتسجيلها بهوياتهم الحقيقية.

تواطؤ ممنهج ومخطط محكم لطمس آثار الجريمة
وعن طريقة العمل التي يسير عليها أفراد العصابة الإجرامية، فقد كشفت التحقيقات أنه بعد انتقاء الهوية التي سيتم تدوينها في بطاقة تسجيل السيارة، يتكفل موظفون إداريون تابعون لمصلحة الحالة المدنية بذات البلدية باستخراج ملف كامل للمعنيين مستغلين الشيفرات الموضوعة تحت تصرفهم للولوج للسجل الآلي لشهادات الميلاد وعقود الزواج وبطاقات الحالة العائلية والمدنية، ويتم انتقاء رقم أو رقمين من الرقم التسلسلي في الطراز بكل سيارة من دون المساس بباقي الهيكل ليدرج بقاعدة البيانات المركزية للمحفوظات الوطنية للبطاقات الرمادية على أساس أنه رقم جديد، ثم تأتي مرحلة إعداد الملفات القاعدية المزورة والتي كان يقوم بها مشتبه فيهما من ولاية المدية وتتمثل الوثائق المزورة في: بطاقة السير المؤقتة، ترخيص الموافقة بالاستيراد للوكيل المعتمد، شهادة إثبات البيع، شهادة تأكيد البيع النموذج د 3، فاتورة الشراء، شهادة الميلاد، نسخة بطاقة الهوية، بطاقة الإقامة والاستمارة.
أما بالنسبة لكيفية الحصول على شهادات الميلاد وكذا بطاقات الإقامة، فقد تم تحديد هوية 3 مشتبه فيهم يقيمون بباب الوادي أحدهم متواجد حاليا بفرنسا، كانوا على ارتباط برئيس مصلحة الحالة المدنية و3 موظفين آخرين من ذات البلدية أين يتم إيداع ملفات شهادات الإيواء من دون بصمهم بالسجل الخاص بذلك أو وضعهم لبصمات غير قابلة للاستغلال.
ويتعلق الأمر بكل من “ب.ز”، “س.ح”، “ب.ل” و”س.م”، إذ وبعد الحصول على بطاقة الإقامة، يوضع الملف كاملا تحت تصرف موظف إداري على ارتباط بالمنظمة الإجرامية والذي كان يستغل تراخي رئيس مصلحته ولا مبالاته للحصول على الموافقة من دون أي مراقبة من أي جهة، أين تستخرج البطاقة الرمادية سليمة والتي يسلهما لهم موظف آخر بعد أن يقوم بالبصم على السجل مستعملا مادة الغراء التي تمحي آثار بصمته أو بصمة الشخص الذي استلم البطاقة الرمادية.
وبالتالي توضع السيارة للسير، ومهما كانت إجراءات المراقبة لا يمكن كشفها، فرقم تسجليها بكامل المواصفات محفوظ بقاعدة البيانات المركزية وهو ما يسمح بتسويقها بطريقة قانونية.
وبينت التحريات كذلك أنه بمصلحة البطاقات الرمادية في باب الوادي، كان هناك 4 موظفين مكلفين باستلام ملفات البطاقات الرمادية، موزعين بنظام عمل تناوبي 2 صباحا و2 مساء.
كما توصلت التحقيقات إلى أن موظفا واحدا استلم 36 ملفا مزورا، ويتعلق الأمر بالمدعو “ب. عبد الرحمان” وموظف آخر استلم ملفا واحدا مزورا، ويتعلق الأمر بـ “خ.مراد” وموظف آخر سلم 37 بطاقة رمادية ناتجة عن التزوير من دون ترك أثر البصمة بسجل الاستلام، ويتعلق الأمر بالمدعو “ب.محمد” وموظف آخر كان يحوز على شفرة الولوج للنظام الآلي للمحفوظات الوطنية للبطاقات الرمادية أقدم على استغلالها لإدراج مواصفات سيارات مزورة، ويتعلق الأمر بالمدعو “س.عبد الحليم” .
وبينت التحريات أن هذه المنظمة الإجرامية ممتدة في مناطق أخرى من التراب الوطني على غرار ولایات بومرداس والبليدة وتيبازة في الوسط وولايات سطيف قالمة وجيجل في الشرق وولايات وهران وتلمسان ومستغانم في الغرب وولايات وادي سوف وتمنراست في الجنوب، مع ارتباط عناصرها بعناصر من الجمارك الجزائرية العاملين بالمراكز الحدودية والموانئ.
وفي هذا السياق، توصلت التحقيقات إلى تسجيل دخول 6 سيارات لم تخضع للرسم الجمركي وتم السماح بعبورها بموجب تصريح المرور الجمركي TPD ومغادرة أصحابها التراب الوطني من دون مطالبتهم بالسيارات التي دخلوا بها من مختلف المراكز الحدودية وبما يعرف بالـ”TPD” ومن بين السيارات المحجوزة، تم تسجيل 14 سيارة رغم تأكيد الوكيل المعتمد سلامة رقمها التسلسلي وأنها لم تسوق بالجزائر.
إلا أن رد مصالح المركز الوطني للإشارة ونظام المعلومات للجمارك، جاء فيه أن الأبحاث على مستوى قاعدة المعطيات المركزية للنظام المعلوماتي للجمارك SIGAD لم تأت بأي نتيجة إيجابية، وبالتالي تعذر تحديد هوية المشتبه فيهم الذين استوردوا هذه السيارات، لاسيما وأن النظام الآلي المعتمد من طرف وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية في إطار الشبكة الوطنية الموحدة للبطاقات الرمادية غير مجهز بتطبيقات من شأنها الوضع الآلي للاعتراض على التسجيل في حال تدوين معلومات أي سيارة مشبوهة فهو غير مرتبط بقاعدة المعطيات المركزية للنظام المعلوماتي للجمارك SIGAD ولا بالإنتربول من جهة ومن جهة أخرى، فإنه يمكن للموظف الحاصل على الشيفرة الولوج إليه وإدراج تعديلات على السيارات المسجلة بإقليم الولاية التي يعمل بها من دون أي تحفظ .

50 شخصا يواجهون تهما ثقيلة تصل عقوبتها إلى 20 سنة
وحسب معلومات مؤكدة بحوزة “الشروق”، يتابع في ملف الحال 50 شخصا بينهم أفراد الشبكة وموظفين بالبلدية وعدد من أعوان الجمارك، حيث وجهت لهم جناية تكوين جمعية أشرار بغرض الإعداد لجناية، التهريب لسيارات ذات أصل أجنبي على درجة من الخطورة الماسة بالاقتصاد الوطني، جناية المشاركة في السرقة المقترنة بظرفي التعدد واستعمال مفاتيح مصطنعة، جنحة التزوير واستعمال المزور، جنحة انتحال هوية الغير كان من المحتمل قيد حكم في صحيفة السوابق القضائية للغير إلى جانب جنحة وضع للسير سيارة بلوحة تسجيل غير مطابقة للمواصفات التقنية للسيارة وكذا جنحة إساءة استغلال الوظيفة وجنحة الإدخال والتعديل بطريق الغش لمعطيات في نظام المعالجة الآلية، جنحة انتحال هوية الغير كان من المحتمل قيد حكم في صفيحة السوابق القضائية للغير، وهي الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بالمواد: 249 من قانون العقوبات وقانون مكافحة التهريب وقانون تنظيم حركة المرور عبر الطرق وسلامتها.
وسيمثل هؤلاء أمام محكمة جنايات الدار البيضاء بالعاصمة، الخميس المقبل 22 جانفي الجاري، للمحاكمة.

مقالات ذات صلة