-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حقائق مشرقة “مغمورة” في تاريخ الزوايا الصوفية

حمزة يدوغي
  • 3720
  • 0
حقائق مشرقة “مغمورة” في تاريخ الزوايا الصوفية
ح.م

كتب “مال ما هو” عن الزوايا في الجزائر سنة 1851 يقول: “يجب على الإنسان أن يقضي حياته كلها في الزاوية حتى يعرف ما يجري فيها وما يقال”، وقال في الموضوع نفسه المؤرخ الفرنسي “مارسيل إمري”.

بالرغم من أن لهذه الطرق الصوفية صبغة دينية متصوفة فإنها كانت بالنسبة لدورها الاقتصادي والاجتماعيأحزابا سياسية، بالإضافة إلى أن نظامها الغامضي التصاعدي قد جعلها جمعيات سرية من الدرجة الأولى، فقد نظمت حملات دعائية سرية محكمة ضد الفرنسيين بواسطة اتصالات خفية، وباختصار فإن معظم الثورات التي قامت خلال القرن التاسع عشر في الجزائر كانت قد أعدت ونظمت ونفذت بوحي من هذه الطرق الصوفية،

هذه الحقيقة أكدهاأوكتاف ديفونالمفتش العام للبلديات في الجزائر في التقرير الذي أرسله إلى لجنة مجلس الشيوخ المكلفة بالجيش، متحدثا عن أسباب الثورات في الجزائر فقال: إننا نجد دائما يد مرابطية وراء كل هذه الثورات التي يقوم بها الأهالي ضدناوقبلهما ألفالكابتان دي نوفوالذي كان يحسن العربية سنة 1845 كتابا سماهالإخوانيفصل فيه الحديث عما سماهالمقاومة الدينيةودور الزوايا في نجاحها.

إن هذه الشهادات، وغيرها كثير، تؤكد كلها حقيقة تاريخية كبيرة لم تحط بعد بما تستحقه من العناية والاهتمام من قبل الباحثين المختصين، وأعني بهاالمقاومة الروحية والثقافية للزوايابعد أن خمدت جذور المقاومة المسلحة وإن لم تتوقف نهائيا! لقد عني الباحثون والدارسون ـ كما نعلم جميعا ـ بدور الزوايا المقاومة المسلحة، ووضعوا في ذلك مؤلفات، لكن المجال الذي ما يزال مرتعا خصبا للبحث والدراسة هو المقاومة الروحية والثقافية التي ظلت وحدها صادمة في الميدان، لا يزيدها القمع والاضطهاد إلا انتعاشا وحيوية وقوة، وذلك لأنها لم تكن مقاومة لعدو اغتصب أرضا وقهر شعبا فحسب، بل كانت مقاومة لعدو تجاوز ذلك إلى محاولة محو شخصية هذا المجتمع بطمس دينه ولغته وتاريخه وتراثه، كما لا يخفى على  أحد.

وهذه المقاومة الثقافية بكل أبعادها ومجالاتها المختلفة المتكاملة من علوم وفنون وآداب وعادات وأعراف وأنماط السلوك وطرائق العيش مما يشمله لفظ الثقافة، كانت تستمد قوتها من بُعدها الروحي، لذلك فإننا إذا أسميناها المقاومة الروحية لا نكون مجانين للصواب، بل إن هذا التعبير هو الأدق والأصح، والجدير بالذكر هنا هو أن الاعتماد على المقاومة الروحية بهذا المفهوم الواسع الشامل كان من المعتمدات الأساسية للمجتمع الجزائري قبل عهد الإستعمار الفرنسي، يلجأ إليها كلما اهتزت أركان الدولة وذهبت سلطتها وتفككت مؤسساتها وتعطلت وظائفها.

ولعل خير دليل على ذلك ما نجده في رسالة العالم الرباني الشيخ عبد الرحمان الثعالبي رضي الله التي وضعها في الجهاد، من إشارة واضحة وكلام صريح يصوّر مدى تدهور الأوضاع السياسية في البلاد ومدى ضعف القادة السياسيين، مما جعله يؤكد دور العلماء والمرابطين في قيادة العامة في الحروب وفي رد غارات الأجانب، ففي هذه الرسالة التي لخصها المرحوم الدكتور سعد الله في كتابه عن التاريخ الثقافي للجزائر يهيب الشيخ عبد الرحمان الثعالبي بالعلماء أن يتحملوا مسؤولياتهم أمام الله وأمام الناس لسد غارات بني الأصفر، يعنيالأوروبيين“.

إن المقاومة الثقافية الروحية اضطلعت بها الزوايا طوال قرن من الزمن وآتت أكلها ضعفين بإذن ربها، فحفظت للجزائر دينها ولغتها وتاريخها ومكنتها من الصمود بل والتحدي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن طبيعة الزاوية نفسها ونظامها قد ساعدها كثيرا على النهوض بتلك الرسالة، من ذلك مثلا السرية التامة التي كانت تحيط بها فلا يعمل الأجنبي ما يدور بداخلها من نشاط شيوخها وطلابها ومريديها، فلم يستطع الاستعمار ـ بالرغم مما يمتلكه من وسائل ـ أن يخرق ذلك الحجاب الكثيف من السرية مع أن ذلك النشاط الخفي للزوايا كان هو الشغل الشاغل للمسؤولين وللضباط المكلفين بمراقبتها والذين حوت تقاريرهم المفصلة تحذيرات للإدارة الإستعمارية من مخاطرها! والآن، قد يقول قائل:”حسنا..! قد عرفنا أن الزوايا كان لها دور مشرق في تاريخنا الحديث عموما وفي عهد الاستعمار بشكل خاص، ولكن ما علاقة هذهالحقائق التاريخيةبواقعنا اليوم المثقل بهمومه ومشكلاته وضغوطه وتناقضاته؟ وما علاقة هذه الحقائق التارخية عن الزوايا بذهنية الجيل الناشئ المدعو إلى مواجهة هذا الواقع بمنطق الألفية الثالثة لا بمنطق عهد الاستعمار، وبأساليب ومناهج ووسائل عصرية لا بالزوايا؟!

 

ولهذاالقائلأقول: إن الزاوية هي المؤسسة الوحيدة من مؤسسات المجتمع الإسلامي المتميزة بهذا الجانب المتمثل في ارتباط المواطنين بها ارتباطا روحيا، بمعنى أنه ليس انتماء إيدولوجيا أو فكريا أو سياسيا، بالتعبير الحديث، فيكون هذا الانتماء قابلا للتحول أو الزوال، كما أن هذا الارتباط الروحي للمواطن بالزاوية ليست له علاقة بالمستوى العلمي والثقافي أو المادي الاجتماعي، إنه ارتباط وجداني أساسه الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأتباع  سنته، ثم تجسيد ثمرة هذا الإيمان في السلوك الفردي اليومي لنتصور الآن لو أن كل مؤسسة من مؤسسات المجتمع تقوم بوظيفتها وتحكم صلتها بمرجعيتها الدينية والثقافية، وفي الوقت تقوم الزاوية بهذه الوظيفة الروحية الأخلاقية، كم من الآفات والمشكلات الاجتماعية المستعصية التي يمكن علاجها وتحصين الجيل الناشئ منها؟!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • اسلام

    يا من تتهمونها بالوهابية هذه الكلمة وضعها اعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب لاعطاء دعوته صبغة طائفية وتنفير الناس منه وما كان يدعو الا لما دعى اليه نبينا عليه السلام الا وهو توحيد الله ونبذ الشرك به من اصنام وقبور واقرأ لمحمد بن عبد الوهاب اذا اردت الحكم عليه لا تقرأ عنه.. ثم ان كلمة "الوهابية" تنشق من اسم الله "الوهاب" ونعت الناس بها شتيمة وسخرية هو نوع من الاستهزاء باسماء الله.
    وما قالته الاخت حقيقة واقعة الم تنتشر عبادة القبور والتبرك بها ودعاء "الاولياء الموتى" من دون الله انطلاقا من الزوايا؟

  • بشير

    مشكور أستاذ على الحقائق التي يحاول البعض إخفاءها
    فزمن الاتهامات الباطلة بلا دليل قد انتهي
    والصوفية هي من حاربت الاحتلال وحافظت على اللغة والدين
    وطريق التهديم والانتقاد السلبي سهل
    فنحن نحتاج لمن يبني ويشيد
    ولو ترك لها المجال لممارسة عملها لانتهت كثير من مشاكلنا اليوم
    شكرا

  • بشير

    مشكور أستاذ على هذه الحقائق التي يحاول البعض إخفاءها، فالصوفية هي من حاربت الاحتلال وحافظت على اللغة والدين......الخ
    أما الاتهامات الباطلة بلا دليل فقد انتها وقتها
    ولو نظرنا لتاريها بعين الانصاف لعرفنا الدور الذي قامت به
    أما أسلوب التهديم والانتقاد فسهل
    نحتاج لم يشمّر على ساعده ويبني
    وتركنا لها العمل اليوم لانتهت كثير من المشاكل والفتن
    سلام

  • بدون اسم

    مشكور أستاذ على هذه الحقائق التي يحاول البعض إخفاءها..

  • ايوب

    لتقرأ تاريخ الثورات في الجزائر

  • بدون اسم

    الزوايا اسست اصلا على كتاب الله و رسوله فكيف تطلب من الكاتب ان ياتي بالدليل من الكتاب و السنة ...تعليقك فيه الكثير من عدم الفهم لدور الزوايا قبل و اثناء الاستعمار و بعده ...يبدو لي اخي انك تجهل ما تقوم به الزوايامن نشر للاسلام و كفالة الايتام و الفقراء و تعليمهم و انك تقرا و تسمع فقط .. من الوهابية الماكرة انصحك بالذهاب الى اي زاوية قريبة منك و امكث فيها بعض الايام و ستعرف اكثر عن الزوايا

  • محمد

    بالله عليك اي حقائق مشرفة تاتي من الزوايا غير خيانة الامة في دينها واوطانها الم تخن الزاوية التيجانية الجزائريين وقالت لهم لا تحاربو فرنسا وهي سبب بقاءها قرن من الزمن واي حقائق سوى تعليم الناس الشرك والخزعبلات والسحر والشعودة ناهيك عما يوجد داخلها من لواط وشمة ودخان ياهدا الصوفية قضي عليها من جهة العلماء من قديم

  • MOURAD

    يا أخت موحدة أليس الصوفية موحدون . لعلمك أن كل قادة الثورات من عبد القادر إلى المقراني إلى بو بغلة إلى بوعمامة .....كلهم كانوا صوفية (و طبعا موحدون) . كذالك لعلمك ال22 مفجروا ثورة الجزائر كلهم سياسيون تخرجوا من المدارس الفرنسية وكان معضهم منتسب الى PPA - OS- MTLD ولم يكن ولا واحد منهم منتتسب إلى جمعية االعلماء و التي لم تنضم إلى الثورة إلا متأخرة.

  • Anti-wahhabiste

    كيف حالك يا وهابية? بخير? بخير طبعا بعد ان نجح مخططكم فخربتم البلاد و شوهتم ديننا و هويتنا فاصبح التدين هو التشبه بالخليجيين و تقليدهم في ملبسهم و هياتهم و اذواقهم و عقليتهم و ضاعت الرحمة و المحبة و الامانة و التواضع و الصدق و حب العمل و المصلحة العامة. مبروك لك و لمشائخك يا وهابية.

  • موحدة

    إتقى الله ، الجزائر حررت بدين التوحيد فقط وليس بقبور لا تردأ ضررا عن نفسها ، والعقول التي مازالت تدافع عن الزوايا هي عقول مستَعمَرة تماما مثل عقلك
    ثم إني أراك قد إستشهدت في مقالك بمؤرخين فرنسيين ألم تجد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم ما يعزز رأيك ، بل إنك لن تجد أبدا
    فرنسا كانت تدافع عن الزوايا و عن تجهيل الجزائريين عموما والآن ها هي قد وجدت من يدافع عنها بمحاولته تجهيل الجزائريين طبعا
    إن لم تجد ما تكتب فاصمت فلربما تُؤجر بصمتك على أن تؤثم بمقالك