حقائق مشرقة “مغمورة” في تاريخ الزوايا الصوفية
كتب “مال ما هو” عن الزوايا في الجزائر سنة 1851 يقول: “يجب على الإنسان أن يقضي حياته كلها في الزاوية حتى يعرف ما يجري فيها وما يقال”، وقال في الموضوع نفسه المؤرخ الفرنسي “مارسيل إمري”.
“بالرغم من أن لهذه الطرق الصوفية صبغة دينية متصوفة فإنها كانت بالنسبة لدورها الاقتصادي والاجتماعي “أحزابا سياسية“، بالإضافة إلى أن نظامها الغامضي التصاعدي قد جعلها جمعيات سرية من الدرجة الأولى، فقد نظمت حملات دعائية سرية محكمة ضد الفرنسيين بواسطة اتصالات خفية، وباختصار فإن معظم الثورات التي قامت خلال القرن التاسع عشر في الجزائر كانت قد أعدت ونظمت ونفذت بوحي من هذه الطرق الصوفية،
هذه الحقيقة أكدها “أوكتاف ديفون” المفتش العام للبلديات في الجزائر في التقرير الذي أرسله إلى لجنة مجلس الشيوخ المكلفة بالجيش، متحدثا عن أسباب الثورات في الجزائر فقال: إننا نجد دائما يد مرابطية وراء كل هذه الثورات التي يقوم بها الأهالي ضدنا” وقبلهما ألف “الكابتان دي نوفو” الذي كان يحسن العربية سنة 1845 كتابا سماه “الإخوان” يفصل فيه الحديث عما سماه “المقاومة الدينية” ودور الزوايا في نجاحها.
إن هذه الشهادات، وغيرها كثير، تؤكد كلها حقيقة تاريخية كبيرة لم تحط بعد بما تستحقه من العناية والاهتمام من قبل الباحثين المختصين، وأعني بها “المقاومة الروحية والثقافية للزوايا” بعد أن خمدت جذور المقاومة المسلحة وإن لم تتوقف نهائيا! لقد عني الباحثون والدارسون ـ كما نعلم جميعا ـ بدور الزوايا المقاومة المسلحة، ووضعوا في ذلك مؤلفات، لكن المجال الذي ما يزال مرتعا خصبا للبحث والدراسة هو المقاومة الروحية والثقافية التي ظلت وحدها صادمة في الميدان، لا يزيدها القمع والاضطهاد إلا انتعاشا وحيوية وقوة، وذلك لأنها لم تكن مقاومة لعدو اغتصب أرضا وقهر شعبا فحسب، بل كانت مقاومة لعدو تجاوز ذلك إلى محاولة محو شخصية هذا المجتمع بطمس دينه ولغته وتاريخه وتراثه، كما لا يخفى على أحد.
وهذه المقاومة الثقافية بكل أبعادها ومجالاتها المختلفة المتكاملة من علوم وفنون وآداب وعادات وأعراف وأنماط السلوك وطرائق العيش مما يشمله لفظ الثقافة، كانت تستمد قوتها من بُعدها الروحي، لذلك فإننا إذا أسميناها المقاومة الروحية لا نكون مجانين للصواب، بل إن هذا التعبير هو الأدق والأصح، والجدير بالذكر هنا هو أن الاعتماد على المقاومة الروحية بهذا المفهوم الواسع الشامل كان من المعتمدات الأساسية للمجتمع الجزائري قبل عهد الإستعمار الفرنسي، يلجأ إليها كلما اهتزت أركان الدولة وذهبت سلطتها وتفككت مؤسساتها وتعطلت وظائفها.
ولعل خير دليل على ذلك ما نجده في رسالة العالم الرباني الشيخ عبد الرحمان الثعالبي رضي الله التي وضعها في الجهاد، من إشارة واضحة وكلام صريح يصوّر مدى تدهور الأوضاع السياسية في البلاد ومدى ضعف القادة السياسيين، مما جعله يؤكد دور العلماء والمرابطين في قيادة العامة في الحروب وفي رد غارات الأجانب، ففي هذه الرسالة التي لخصها المرحوم الدكتور سعد الله في كتابه عن التاريخ الثقافي للجزائر يهيب الشيخ عبد الرحمان الثعالبي بالعلماء أن يتحملوا مسؤولياتهم أمام الله وأمام الناس لسد غارات بني الأصفر، يعني“الأوروبيين“.
إن المقاومة الثقافية الروحية اضطلعت بها الزوايا طوال قرن من الزمن وآتت أكلها ضعفين بإذن ربها، فحفظت للجزائر دينها ولغتها وتاريخها ومكنتها من الصمود بل والتحدي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن طبيعة الزاوية نفسها ونظامها قد ساعدها كثيرا على النهوض بتلك الرسالة، من ذلك مثلا السرية التامة التي كانت تحيط بها فلا يعمل الأجنبي ما يدور بداخلها من نشاط شيوخها وطلابها ومريديها، فلم يستطع الاستعمار ـ بالرغم مما يمتلكه من وسائل ـ أن يخرق ذلك الحجاب الكثيف من السرية مع أن ذلك النشاط الخفي للزوايا كان هو الشغل الشاغل للمسؤولين وللضباط المكلفين بمراقبتها والذين حوت تقاريرهم المفصلة تحذيرات للإدارة الإستعمارية من مخاطرها! والآن، قد يقول قائل:”حسنا..! قد عرفنا أن الزوايا كان لها دور مشرق في تاريخنا الحديث عموما وفي عهد الاستعمار بشكل خاص، ولكن ما علاقة هذه “الحقائق التاريخية” بواقعنا اليوم المثقل بهمومه ومشكلاته وضغوطه وتناقضاته؟ وما علاقة هذه الحقائق التارخية عن الزوايا بذهنية الجيل الناشئ المدعو إلى مواجهة هذا الواقع بمنطق الألفية الثالثة لا بمنطق عهد الاستعمار، وبأساليب ومناهج ووسائل عصرية لا بالزوايا؟!
ولهذا “القائل” أقول: إن الزاوية هي المؤسسة الوحيدة من مؤسسات المجتمع الإسلامي المتميزة بهذا الجانب المتمثل في ارتباط المواطنين بها ارتباطا روحيا، بمعنى أنه ليس انتماء إيدولوجيا أو فكريا أو سياسيا، بالتعبير الحديث، فيكون هذا الانتماء قابلا للتحول أو الزوال، كما أن هذا الارتباط الروحي للمواطن بالزاوية ليست له علاقة بالمستوى العلمي والثقافي أو المادي الاجتماعي، إنه ارتباط وجداني أساسه الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأتباع سنته، ثم تجسيد ثمرة هذا الإيمان في السلوك الفردي اليومي لنتصور الآن لو أن كل مؤسسة من مؤسسات المجتمع تقوم بوظيفتها وتحكم صلتها بمرجعيتها الدينية والثقافية، وفي الوقت تقوم الزاوية بهذه الوظيفة الروحية الأخلاقية، كم من الآفات والمشكلات الاجتماعية المستعصية التي يمكن علاجها وتحصين الجيل الناشئ منها؟!