الرأي

حقيقة ذكاء الكذب

عمار يزلي
  • 63
  • 0

لم يكن اختراع السنيما مطلع القرن الـ20، إلا بداية محتشمة لتصوير واقع يراد له أن يبدو كذلك، مع أنه واقع مفترض، سمي “واقعا فنيا”، والكل بات فيما بعد يعرف أن “السنيما” ليست واقعا، وإنما هي تصوير لما يبدو أنه واقع، تماما كأي عمل فني روائي أو قصصي. بات كثير من المشاهدين العرب ما بعد السبعينات، يعون أن القصص السنيمائية العربية والمصرية بالذات أو الهندية أو الأمريكية من نوع الكاوبوي، ليست واقعا بل خيالا، هذا بعد أن كان كثير منهم، لاسيما النساء الماكثات في البيت، غير الفاهمات لتقنية السنيما والأفلام، التي كانت جديدة عليهن، لا يشاهدونها إلا في قاعات عرض الأفلام، يتصورون نه ما يشاهدونه هو عين الحقيقية الواقعية. غير أن انتشار التلفزيون، الذي سلب من السينما جزءا من مكانتها وحظوتها وأبعد كثيرا من الناس عن القاعات لصالح صالون البيت أمام شاشة متعددة التخصصات، تنقل الأخبار وتبث أفلاما وتقدم باقات أغان وتسلية، سرعان ما بدل وغير من رؤية المشاهد العربي للأفلام، وبقي يعي تقنياتها ودواعيها ويعرف حتى كواليس إنتاجها، لكن هذا بعد عقود.

اليوم، عبر تقنيات انتشار استعمال الشبكة العنكبوتية وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بما في ذلك الهواتف الذكية، صار المستهلك “للكذب الاصطناعي” أكثر عرضة للابتزاز الفكري والدجل العقلي، ومطية لتمرير كل أشكال الخداع البصري والإقناع الخبري بأن ما يراه ويسمعه وينقله، ثم يتقاسمه مع غيره، هو “الحقيقة المطلقة المرة” التي لا غبار عليها، مع أنها كثيرا ما تكون كلها “غبارا عليها” لا حقيقة خلفها. صار الخداع أكبر وأقوى وأمر من سابق عهد السنوات الجنينية للسنيما والتلفزيون: لم تعد النساء كما عهدناهن سنوات الستين والسبعين وهن يخرجن من قاعات السينما في المدن الكبيرة والمتوسطة، أيام عرض أفلام عربية مخصصة للنساء، باكيات، دامعات الأعين، وهن يتجاذبن باقي ما تبقى من أطراف الحديث عن قصة الفيلم المؤثرة على أنها حقيقية فعلية وأن الممثلين هم أشخاص واقعيون، لم يعد الأمر كذلك، بل أنكى وأكبر: مشاهد ومستهلك وسائل التواصل الاجتماعي اليومي، صار أكثر عرضة للدجل الفني والإخباري، وأكثر عرضة للاختراق والتلاعب والتوظيف. صحيح أنه صار يفهم ويعرف وذكي بما فيه الكفاية ليعرف أن هذه مجرد فيلم وسيناريو وقصة وما شابه، فلا تنطلي عليه ما انطلت على أسلافه حتى يعتقد أن فريد شوقي هو وحش الشاشة فعلا وأنه بطل اجتماعي ومنقذ، كما حصل مع الأمريكان في الثلاثينات من القرن الماضي مع “سوبرمان” القادم من كوكب آخر لنجدة أمريكا من أزمة كساد 1939 وما بعد. “المشاهد اليوم صار أكثر ذكاء بما يجعله عرضة ليكون أكثر غباء”، بما يستهلكه بلا إدراك ويجعله ضحية لكل أنواع التدليس والفبركة، وصناعة الخبر والصورة الثابتة والمتحركة. غير أنه، وكما استغرق وقت لكي يفهم المشاهد التقليدي، أن السنيما ليست واقعا، وإنما محاكاة لواقع، سيعرف مشاهد ومستهلك اليوم، كيف أنه كان ضحية في كثير من اللحظات والأوقات، للتلاعب العقلي والتشتيت الفكري والتوظيف الإيديولوجي من خلال التصديق بأن كل ما يبث ويشاهد ويكتب وينشر على وسائل التواصل الاجتماعي هي الحقيقة التي تناظر “كذب” وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، لأن، كثيرا من المستهلكين يقعون في هذه المعضلة الابتزازية: “الفايس بوك ينشر الحقائق، والتلفزيون ينشر الكذب”، معتمدين على الفلترات التي تلجأ لها القنوات العامة والخاصة لأسباب مهنية أو سياسية أو ظرفية مراعاة للواقع الاجتماعي والظرفي، إذ أنه “ليس كل ما يعرف يقال”.

مقالات ذات صلة