حكمة الأفافاس وما وراءها
على عكس الأرسيدي الذي أصبح يخرج كل سبت بنفر من أتباعه لممارسة ما يشبه البلطجة على المواطنين في بعض أحياء العاصمة، يتجه الأفافاس، الشقيق الأكبر، إلى ممارسة تبدو أكثر حكمة وأكثر تعقلا وانضباطا تراعي عزم السلطة وإصرارها على المنع والقمع، من خلال اختيار الأماكن المغلقة لعقد التجمعات السياسية من أجل المناداة بسقوط النظام أو بتغييره أو تغيره، لكن التناقض والاختلاف الذي يظهر على الحالتين لا يمكن أن يخفي الالتقاء حول بعض النوايا المشتركة سواء بالصدفة أو بقوة الأشياء، خاصة في زحمة الثورات والانتفاضات الشعبية وحالات الغليان والمخاض التي تعيشها الكثير من البلدان العربية والتي تبدو ظاهريا على الأقل، أنها لا يمكن أن تكون استثناء منها مع الإمكانية الغالبة لتغيير النظام من تلقاء نفسه.
- الأرسيدي الذي أصبح لا يجد أكثر من 50 شخصا للخروج بهم إلى ساحة من ساحات العاصمة، يجد نفسه في كل مرة في مواجهة مواطنين آخرين أكثر منه في مواجهة قوات الأمن التي تتجمع بالآلاف لنهره وأكثر منه في مواجهة النظام الذي يريد تغييره وهذه هي الصورة الكاريكاتورية أو الملهاة أو المسرحية التي أصبح الطرفان يلتقيان على أدائها كل أسبوع على ركح واحد ولخدمة مصالح مشتركة واحدة يحوز فيها النظام على ربح الوقت من خلال توفير الفرجة لبقية أفراد المجتمع في بقية أنحاء الجزائر ويحوز فيها الأرسيدي مجالا للعمل على مواصلة عزل الجزائر عربيا وعدم انتقال عدوى الثورات والانتفاضات العربية والمحافظة على المكاسب التي حققتها في هذا المجال طيلة الـ20 سنة الماضية، ثم أنه لا يعقل أن يثور حزب من الأحزاب على نظام يوفر له التفوق السياسي بدون قاعدة شعبية تذكر ويأوي عددا كبيرا من أفراده بمن فيهم زعيمه سعيد سعدي تحت قبة البرلمان بما يوفر ذلك من ريوع ومزايا سياسية ومادية وأجر شهري يتجاوز 40 مليونا لـ”النائب” الواحد، وكل هذا لا لشيء سوى للعب الأدوار التي يلعبها في الكوميديا الجاري عرضها على بعض ساحات الجزائر العاصمة.
- والأفافاس الذي لا يستطيع أحد أن ينكر وطنيته وكونه حزب معارضة كبير تاريخيا وآنيا وصاحب تضحيات جسام من أجل المبادئ ومشروع الجمعية التأسيسية الجريء، تأتي مبادرته في هذا الوقت ومعها بعض الشكوك، خاصة عندما يقوم بعض مناضليه وأتباعه بالتهجم على الثورات والانتفاضات العربية الجارية ويصفها بالطفولية والفوضى في مقابل ما يدعون إليه من تغيير هادىء، إذ لا يمكن أن يخفى ما في هذه المواقف، حتى ولو كانت فردية ومعزولة، من مواصلة ما لدى هذا الحزب من حساسية تجاه علاقة أو ارتباط الجزائر بالوطن العربي وهذا يذكرنا بالمسيرة المليونية التي نظمها الأفافاس في بداية تسعينيات القرن الماضي ضد التعريب والعربية في الجزائر، ثم أليس في الجزائر أحزاب غير الأرسيدي والأفافاس تمارس ما يمارسانه وأليس هناك جزائريون غير الجزائريين الذين يجتمعون حول الأرسيدي والأفافاس، وأليس هناك مدن جزائرية غير الجزائر العاصمة وأقل تعرضا لضغط قانون حالة الطوارئ وبقية القوانين القمعية لتنظيم المسيرات وعقد الجمعيات للمناداة بالتغيير؟ ما هذا الاستقطاب وهذا الانكماش الذي لا طائل منه سوى إبعاد الجزائريين بعضهم عن بعض؟
- صحيح أنه من حق الأرسيدي والأفافاس والنظام أجمعين أن يغاروا على ما حققوه طيلة 20 سنة الماضية من مكاسب كبيرة في إبعاد الجزائر وعزلها عن بعدها العربي والرجوع بها إلى أحضان الاستعمار الفرنسي ثقافيا ولغويا وسياسيا واقتصاديا.. ومن حقهم أن يدافعوا عن هذه المكاسب ويعضوا عليها بالنواذج ولكن ليس من حقهم على الإطلاق الإجهاز على آمال الجزائر والجزائريين في مسرحيات كتلك التي يجري عرضها، لأن الأمر يتعلق في كل هذا التململ وهذه الإرهاصات بالرغبة الجامحة في الإنتقال – الذي تأخر كثيرا – إلى القرن الواحد والعشرين والألفية الثالثة.