“حكم الشعب” يهزم استبداد المرابين
الدرس الذي لقنه الشعب اليوناني، مخترع الديمقراطية، لعصابة المرابين في البنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، لن تتوقف آثاره عند حدود اليونان، التي حاول الاتحاد الأوروبي امتصاص دماء شعبها بعد أن قادها إلى حافة الإفلاس، ومارس معها الوصفة التي ظل صندوق النقد الدولي يعالج بها شعوب العالم الثالث المغلوب على أمرها، منذ نشأة النظام المالي والنقدي العالمي على يد عصابة غولدمان ساكس، روكفلير، وروتشيلد.
مبدئيا لم يكن بيد الحكومة اليونانية اليسارية حل آخر غير الاستعانة بشعبها لرفض مخطط التقشف الذي فرضته ببروكسل كعقاب جماعي للشعب اليوناني، وكتهديد لبقية الشعوب الأوروبية المهددة مثل اليونان بالإفلاس كإسبانيا، البرتغال، إيطاليا، وحتى فرنسا، في الوقت الذي لم تتردد عصابة المرابين في صرف قرابة ألفي مليار دولار لإنقاذ المصارف الأوروبية من الإفلاس أزمة 2008.
لجوء الحكومة اليونانية إلى خيار الاستفتاء والفوز به، كان أفضل خيار متاح بعد أن وُضعت تحت الابتزاز الفاضح، وأريد لها أن تقبل بتجويع شعبها مقابل الحصول على قروض ميسّرة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، لم تنتج منذ ثلاث سنوات سوى مزيد من الفقر، وسحق الطبقة الوسطى، وتخريب الاقتصاد اليوناني، وقد جاء الرد صريحا ومدويا من الشعب اليوناني، الذي صوّت بأكثر من 61 % لصالح رفض برنامج التقشف الأوروبي، ليضع قيادة الإتحاد الأوروبي في مواجهة مباشرة مع الشعب وليس مع حكومة يمكن ابتزازُها.
الاستفتاء لم يترك من خيار لقادة الاتحاد سوى مراجعة برنامج التقشف، أو القبول بخروج اليونان من الاتحاد الأوروبي، الذي له تداعيات خطيرة على بنية ومستقبل الاتحاد، فيما قد يشجع الاستفتاء حكومات أوروبية مرشحة للإفلاس على الاقتداء بالحكومة اليونانية، كخيار ممكن للتخلص من الشروط المضيّقة على الإنفاق الاجتماعي التي فرضتها ألمانيا على شركائها.
أكثر ما تخشاه عصابة المرابين أن تنتقل العدوى إلى بقية دول من العالم الثالث التي هي عرضة للابتزاز والسرقة الموصوفة لثرواتها عبر مؤسسات هيمنة “العقب الحديدي” في صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، فتلجأ مثل الحكومة اليونانية إلى شعوبها عبر الاستفتاء لرفض تسديد القروض الربوية، أو في الحد الأدنى وقف العمل بالبرامج التقشفية، التي تشكل حالة من الحرب الدائمة على شعوب العالم الثالث، سوف يسرّع لا محالة من مسار انهيار النظام العالمي النقدي والمالي الظالم.
الخطوة الشجاعة التي أقدمت عليها الحكومة اليونانية تأتي بعد ظهور مقاومات عديدة لمنظومة الصيارفة المرابين، كان آخرها مقاومة الحكومة الأرجنتينية لعملية سطو موصوفة أدارتها عصابة البنوك، وبداية تشكل بدائل مالية ونقدية خاصة على يد دول البريكس، مع تنامي رقعة المبادلات بين الدول الأعضاء بعملاتهم الوطنية بدل الدولار، وهرولة صينية روسية نحو تحويل فوائضها المالية بالدولار لتعزيز احتياطها من الذهب، وإذا أضفنا له انهيار أسعار النفط الذي يشكل اليوم الداعم الأول للدولار، فإن العالم مقبلٌ لا محالة على أزمة نقدية ومالية هي الأخطر منذ بداية هيمنة نظام بريتن وودز الظالم، كان خبراء كثر قد وقتوا لها مطلع السداسي الثاني من السنة الجارية.